كتبتُ منذ أسابيع أن السؤال الحاسم في الأزمات الإقليمية الكبرى ليس من يضرب أولاً، بل من يصمد أخيراً. وأن الاحتياط الاستراتيجي، ذلك المزيج من التنويع الاقتصادي والشرعية السياسية والمرونة في التحالفات، هو ما يحدد في نهاية المطاف من يمتلك هامش المناورة ومن يفقده تحت الضغط. لم أكن أتوقع أن يأتي التحقق من هذه الفرضية بهذه السرعة، وبهذا الوضوح.
إعلان الإمارات في الثامن والعشرين من نيسان 2026 انسحابها من أوبك وأوبك+، بعد عضوية امتدت تسعة وخمسين عاماً، ليس حدثاً نفطياً بالمعنى التقني الضيق وإن كان يتخذ من النفط لغةً وميداناً. إنه في جوهره إعلانٌ عن بلوغ الاحتياط الاستراتيجي الإماراتي مرحلة النضج؛ تلك اللحظة التي يتحول فيها التراكم الصامت إلى فعل مُعلَن، والتموضع الحذر إلى خطوة حاسمة.
ثمة مفارقة لافتة في توقيت هذا الإعلان تستحق التأمل. الإمارات تخرج من أوبك في لحظة لا تستطيع فيها، تقنياً ولوجستياً، رفع صادراتها بشكل فوري. فميناء الفجيرة، بكل ما يمثله من بديل استراتيجي لمضيق هرمز، لا يستوعب عبر خط حبشان–الفجيرة سوى نصف الطاقة الإنتاجية الإماراتية الكاملة، فضلاً عن أنه تعرض لهجمات متكررة منذ اندلاع الحرب. الانسحاب إذاً لا يتعلق بزيادة الإنتاج الفورية وهذا بالضبط ما يجعله أعمق دلالةً من أن يُقرأ بمنطق الربح والخسارة الآني.
الدول التي تفكر بمنطق الاحتياط الاستراتيجي لا تُطلق قراراتها الكبرى في الأزمات وتحت منطق الضغط، بل حين ترى أنها قادرة على تحمّل كلفتها بدون اختلال كبير في موازينها. الإمارات أعلنت انسحابها في ذروة الأزمة لأن الأزمة ذاتها وفّرت لها غطاءً تفسيرياً مقبولاً من حرب إيران واضطراب هرمز وإعادة رسم خريطة الطاقة الإقليمية، فيما الهدف الحقيقي يمتد إلى أفق أبعد: تحرير الإرادة الإنتاجية حين تعود المياه إلى مجاريها، واكتساب شرعية سوقية مستقلة لأدنوك في مواجهة رأس المال الدولي، وتثبيت مؤشر على إعادة تشكّل ميزان النفوذ الخليجي بعد عقد من التباينات السعودية الإماراتية في الملف اليمني وخلافات أوبك والتنافس على زعامة الاقتصاد الإقليمي.
هذا النضج لم يتشكّل في لحظة الإعلان؛ في 2021 عطّلت أبوظبي اتفاقاً داخل أوبك+ بسبب اعتراضها على خط الأساس المعتمد لحصتها، وفي 2024 انتزعت رفع حصتها بعد سنوات من المفاوضات الصامتة. القرار الراهن هو الفصل الأخير من السلسلة.
الاحتياط الاستراتيجي الإماراتي الذي أفضى إلى هذا القرار ليس عنصراً واحداً، بل بنية متكاملة تراكمت على مدى عقدين: اقتصاد بات القطاع غير النفطي يمثل فيه أكثر من سبعة وسبعين بالمئة من الناتج، مما يجعل حروب الأسعار أقل إيلاماً مقارنةً بمن لا يزال – رغم كل محاولات التنويع - يعتمد على النفط مصدراً شبه وحيد للإيراد. وشبكة تحالفات خارجية مبنية على تحقيق التوازن؛ شراكة وثيقة مع واشنطن، وتفاهمات مع تل أبيب، وعلاقات اقتصادية متينة مع بكين، وانفتاح على موسكو، بما يمنحها هامش مناورة لا تملكه الدول التي رهنت نفسها لمحور واحد. وحتى النفط ذاته، الذي تراجع وزنه في الناتج الإماراتي، لم يُترك كما هو، إذ قطعت أدنوك في عقد واحد المسافة من شركة نفط حكومية تعمل بمنطق الحصة إلى كيان استثماري عالمي؛ من إدراج أدنوك للغاز في البورصات إلى عقد شراكات في خطوط الأنابيب مع كبريات صناديق رأس المال الدولي كبلاكروك وKKR، مما يمنحها شرعية سوقية مستقلة عن القرار السياسي الجماعي، خلافاً للنموذج الذي تبقى فيه الشركة الوطنية امتداداً مباشراً للقرار الجماعي للكارتيل. وبهذا يتوضح أن انسحاب الإمارات من أوبك ليس مجرد قطيعة مفاجئة، بل هو التتويج المنطقي لهذا الفصل التدريجي بين الشركة والكارتل.
لكن الأعمق في هذا الاحتياط هو ما لا يظهر في الأرقام: قدرة منظومة الحكم الإماراتية على اتخاذ قرارات مكلفة دون أن تتحول كلفتها إلى أزمة داخلية. والفارق يتضح حين يُقارَن بالأنظمة التي تستمد شرعيتها من عقد ريعي مُقيَّد (Rentier State)؛ تلك التي يرتبط فيها الاستقرار السياسي ارتباطاً عضوياً بتدفق العائد النفطي وتوزيعه، فيغدو كل قرار اقتصادي مكلف تهديداً محتملاً للعقد الاجتماعي. في هذه الأنظمة، الكلفة الخارجية للقرار تجد طريقها حتماً إلى الداخل. أما حيث تقوم الشرعية على الأداء والتسليم (Performance & Delivery Legitimacy) لا على الريع، فإن الكلفة تبقى في حدودها السياسية الخارجية ولا تُنتج اهتزازاً داخلياً. وهذا، في التحليل السياسي، هو الاختبار الأدق لمتانة الشرعية السياسية، بصرف النظر عن مصدرها.
التداعيات تمتد في اتجاهات متعددة في آنٍ واحد. على المدى القريب، يجد التحالف النفطي نفسه أمام فراغ في الثقل يصعب ملؤه؛ الإمارات كانت بعد السعودية ثاني أكبر منتج مرن في المنظمة، وخروجها يُضيّق هامش الاستجابة الجماعية. على المدى المتوسط، قد تجد دول أخرى في المنظمة في الخطوة الإماراتية نموذجاً يُغري بالاستنساخ، خاصة تلك التي ترى في الحصص قيداً على طموحها لا انعكاساً لطاقتها. وعلى المدى البعيد، وهو الأهم، فإن خروج الإمارات يُسرّع تحولاً بنيوياً في النظام النفطي العالمي نحو منطق أكثر تنافسية وأقل كارتيلية، وهذا يخدم المستهلكين الكبار أكثر مما يخدم أي منتج بمفرده.
وثمة طبقة لا تقل أهمية: ما يحدث لحصة الإمارات نفسها داخل المنظمة بعد رحيلها. الفجوة التي تتركها لا يمكن سدّها فعلياً من قِبل أحد سوى السعودية، لأن باقي الأعضاء يعانون إما من بنية تحتية متهالكة، أو فوضى أمنية، أو عقوبات، أو تراجع بنيوي. لذا فإن الصراع داخل أوبك لن يكون على من يُنتج أكثر، بل على خطوط الأساس والاعتراف الورقي: كل عضو يرى في الانسحاب الإماراتي فرصة لرفع سقفه المُعتمَد، استعداداً لمرحلة قد يستطيع فيها لاحقاً ضخّ المزيد. والمفارقة أن الإمارات كانت، بحكم اشتراك المصلحة، صوت هؤلاء الأقوى داخل المنظمة. برحيلها، تفقد مطالبهم حليفها الأبرز، لكنها تكتسب زخماً أخلاقياً جديداً يُحرج الرياض. أما الكلفة الفورية لاستقرار الأسعار فتقع كلها على كاهل السعودية وحدها؛ لا بقرارها، بل بحكم أنها الوحيدة التي تستطيع، فالرياض محاصرة بالقدرة قبل أن تكون محاصرة بالخيار.
والمملكة العربية السعودية أمام معضلة حقيقية لا مجرد إزعاج دبلوماسي: إن تركت الإمارات تُنتج بحرية، فقدت جوهر سلطتها على المنظمة. وإن شنّت حرب أسعار، دمّرت ميزانيتها التي تحتاجها لتمويل رؤية 2030 في لحظة لا تحتمل الهدر.
في مقالتي السابقة استعرت من توماس كول لوحة “الدمار”، تلك الحضارة التي تسقط لا بضربة واحدة، بل بتراكم الضغوط عبر طبقاتها. ما يجري اليوم ليس دماراً، لكنه إعادة رسم. والفارق بين من يرسم ومن يُرسَم عنه يكمن في شيء واحد: من كان يبني احتياطه الاستراتيجي في وقت السكون ليستخدمه في وقت العاصفة، ومن أمضى السكون والعاصفة معاً يستهلك دون أن يبني.
السؤال الذي تتركه هذه اللحظة معلّقاً أوسع من أوبك بكثير. إنه سؤال عن نموذج الدولة القادرة على الفعل في زمن عدم اليقين: من يمتلك من الاحتياط ما يجعله فاعلاً حين يتحوّل الآخرون إلى متأثرين، ومن تكفي شرعيته السياسية لاحتمال الكلفة دون أن تتصدّع، ومن يستطيع إعادة رسم تموضعه الجيوسياسي دون أن يفقد توازنه الداخلي؟ في منطقة تتشكّل فيها موازين النفوذ من جديد، لم يعد السؤال الحاسم عمّن يملك النفط أو السلاح، بل عمّن أمضى سنوات السكون يبني ما لا يُرى، ليُقرّر في لحظة العاصفة من يرسم ومن يُرسَم عنه.
*أنس جودة، كاتب وباحث متخصص في قضايا الحوكمة والجيوسياسة الإقليمية*
The Combat of Mars and Athena
معركة مارس وأثينا
The Combat of Mars and Athena — Jacques-Louis David، 1771
ليست كل الحروب بين أطراف متكافئة، بل بين نموذجين للقوة نفسها. مارس هنا—كما في تقليده اليوناني (آريس)—يمثّل الاندفاع، بينما تمثّل أثينا القدرة على إدارة العنف لا مجرد ممارسته.في هذه اللوحة، لا ينتصر من يضرب أولاً، بل من يقرّر متى ولماذا يضرب.



