False Centrism: When Balance Becomes a Tool of Domination
How to Expose It, and by What Rules to Judge It
“Both sides are wrong” sounds like wisdom, but in Syria it has often worked as a tool that equates those who hold power with those who suffer under it, and shields authority from accountability. This piece separates genuine complexity from complexity invoked to block judgement, with three tests: does it widen understanding, does it distinguish between actors, does it lead to identifiable responsibility? Responsibility is measured by power, decision and context. Two rules follow: ask who benefits when judgement is suspended, and refuse emotional blackmail as firmly as the blackmail of complexity.
“الطرفان مخطئان”. جملة تُقال اليوم في تعليقات كثيرة على ما يجري في سوريا، تصدر عن مَن يفترض بهم الحياد، وعن من يعرف تماماً ما يجري. هذه الجملة، في بساطتها الظاهرة، هي المدخل الأوسع إلى ما يمكن تسميته “ الوسطية الزائفة “: خداعٌ ناعم يرتدي ثوب الحكمة ويتكلم بلغة التوازن، ليُساوي بين من يملك السلطة والقوة والمسؤولية ومن يقع تحت وطأتها، بين من يملك القرار ومن يملك فقط جسده في الشارع.
ليست هذه الوسطية خطأً فكرياً ساذجاً، ولا جبناً شخصياً. في أحيان كثيرة هي أداةٌ — تعمل بوعي أو بتواطؤ — لإعادة إنتاج السلطة القائمة وتحصينها من المساءلة. فمن يُعيد رسم المشهد على أنه “طرفان متقابلان” لا يصف الواقع، بل يُعيد تشكيله. ومن يطلب منك أن تفهم الجميع دون أن تتخذ موقفاً، لا يدعوك إلى وسطية عقلانية، بل إلى الاستسلام لتعقيدٍ مضخَّم.
التعقيد حقيقيٌّ دائماً؛ لا يوجد صراع سياسي أو اجتماعي خالٍ من طبقات متشابكة. لكن المشكلة لا تبدأ مع التعقيد، بل حين يتحول من مدخلٍ للفهم إلى مخرجٍ من المسؤولية، فيصبح الجواب على كل سؤال أخلاقي: “الأمر أعقد مما تظن” دون أي محاولة فعلية لتفكيك هذا التعقيد.
كيف نُميّز، إذن، بين التعقيد الذي يستدعي التريّث والتعقيد الذي يتم استدعاؤه لتعطيل الموقف؟ ثلاثة أسئلة تختصر المسألة: هل التعقيد المطروح يُوسّع الفهم أم يُغلقه ؟ هل يُفصّل بين الفواعل أم يُذيبهم في “الجميع”؟ هل يُفضي إلى مسؤولية قابلة للتحديد أم يؤدي حتماً إلى “لا أحد مسؤول”؟ حين تكون الإجابات في الاتجاه الثاني، فنحن أمام تعقيدٍ أداتي لا معرفي.
الوسطية الحقيقية ليست نقطة في المنتصف بين طرفين، بل هي القدرة على رؤية التدرّجات كاملةً دون أن تفقد موقعك منها.
في سوريا، لم تكن الوسطية الزائفة ظاهرة عارضة، بل أداةً متكررة في كل مرحلة من مراحل الصراع. حين انتفض السوريون على نظام الأسد، سارع كثيرون إلى إعادة تأطير المشهد على أنه “نزاع بين طرفين متشددين”، متجاهلين البنية الأساسية للحدث: سلطة مركزية تملك الجيش والأجهزة والقرار، في مواجهة مجتمع خرج إلى الشارع. هذا التأطير لم يكن قراءة للواقع، بل تغطيةً له أتاحت تبرير القمع تحت ذريعة “منع الفوضى” و”حماية الاستقرار”.
ثم تعقّد المشهد فعلاً. حين تحوّلت الانتفاضة الشعبية إلى صراعٍ مسلح تتشابك فيه تدخلات إقليمية ودولية، وتتعدد الفصائل وتتوزع مناطق النفوذ، أصبحت الانتهاكات حاضرة في أكثر من جهة. لكن الاعتراف بهذا التعقيد لا يعني ما يوهم به خطاب الوسطية الزائفة، أي أن التساوي في الانتهاك يُنتج تساوياً في المسؤولية بشكل تلقائي.
المسؤولية تُقاس بمعايير موضوعية على كل حالة لا تستثني أحداً: حجم القوة، ودرجة القرار، والسياق الذي أنتج الفعل، وهي معايير تنطبق على كل طرف في أي مرحلة. التعقيد الحقيقي يستدعي تطبيق هذه المعايير بالتساوي، لا التخلي عنها بذريعة أن الجميع ارتكب.
أما اليوم، فالوسطية الزائفة تعود بصيغة جديدة وأكثر مكراً، حيث يتم توظيف خطابها لحماية السلطة من المساءلة. حين ترتكب فصائلها مجازر بحق مدنيين، يُعاد تأطير الحدث على أنه “اشتباك بين مجموعات مسلحة” فتختفي الضحية المدنية خلف ضباب التأطير. وحين يخرج متظاهرون سلميون للتعبير عن مطالب معيشية فيتعرضون للاعتداء، يُقال إن “الطرفين تجاوزا” فيُلغى الفارق بين من يملك السلطة والقوة والمسؤولية، ومن يقع تحت وطأتها. هذا ليس تحليلاً، بل هندسةٌ للّغة تنقل الفعل من حقل المساءلة إلى حقل الطبيعة: “ما جرى وقع بين طرفين”، وكأن لا قرار خلفه ولا قائد فوقه.
طبعاً هذا لا يعني اتهام كلّ قراءة مغايرة أو أي محاولة للتعقل بأنها “وسطية زائفة”؛ ثمة فارق بين تفكيك الخطاب واتهام صاحبه بسوء النية. وثمة فارق أكبر بين من يمتنع عن الحكم لأنه لم يستكمل المعطيات، ومن يمتنع لأنه يقصد عدم الحكم بشكل مبدئي ويريد الاحتفاظ بصورته المحايدة. الخلط بين الاثنين يُحوّل نقد الوسطية الزائفة إلى وسطيةٍ مضادة: حسمٌ يدّعي الوضوح لكنه يُغلق النقاش بدل أن يفتحه. هذا التمييز هو صلب الأمانة المنهجية، ومن دونه يفقد النقد قدرته على أن يكون نقداً.
على كلّ من يمارس قولاً عاماً — لا النخب وحدها — مسؤوليةٌ في رسم الفوارق التي يعمل خطاب الوسطية الزائفة على طمسها. ليست هذه دعوة إلى الانحياز الأعمى، بل إلى الدقة: أن تُسمّي الأشياء بأسمائها، وأن تُميّز بين ثلاثة مسارات تبدو متشابهة لكنها متباينة جوهرياً: التعقيد الحقيقي الذي يستدعي التأمل، والتعقيد المضخَّم الذي يُراد منه تعطيل الموقف، والوسطية الموضوعية التي ترى الأمور بعيداً عن الانتهازية وتسعى إلى العدالة في التقدير لا إلى الراحة في التسوية.
لا يخفى أنّ البيئة اليوم لا تُشجّع على الوضوح. حين تتم مهاجمة أي رأي أو موقف بشكل ممنهج باستخدام خطاب الهيمنة والتهديد، يغدو الصمت مساراً مفهوماً إن لم يكن مبرراً. لكن الاستسلام لهذا المنطق له ثمن: خطابٌ يتراجع تنازلاً تلو تنازل حتى يفقد قدرته على قول أي شيء حقيقي. المطلوب ليس شجاعةً رومانسية، بل أمانةً منهجية مقرونة بموقفٍ أخلاقي — التزامٌ بأن يكون التحليل أداةً للكشف لا للتغطية.
الخروج من فخ الوسطية الزائفة لا يبدأ بموقفٍ سياسي جاهز، بل بقاعدتين بسيطتين يمكن لكل قارئ أن يُطبّقهما. الأولى: كلما تمّ الإلحاح عليك أن تفهم أكثر دون أن تحكم قط، اسأل مَن يستفيد من تعطيل الحكم. فالتعقيد حين يُستدعى لإغلاق النقاش لا يكون معرفةً بل حجاباً، والحياد حين يكون منظّماً ومُوجَّهاً لا يكون حياداً — بل إسهاماً مقصوداً في ترسيخ ما يدّعي مراقبته.
والثانية: كلما وجدت نفسك تتعرض لابتزاز المشاعر والبكاء والوعظ لتعطيل صوت العقل، تذكّر أن الدموع قد تكون أداةً بلاغية كما الحجج، وأن استدعاء التعاطف في غير موضعه هو الوجه الآخر لاستدعاء التعقيد في غير موضعه. كلاهما يعمل على نقل النقاش من حقل المساءلة إلى حقل المشاعر، ومن سؤال “ماذا حدث ومن المسؤول؟” إلى سؤال “كيف نحتمل ما حدث؟” — فتتحوّل الضحية من شاهدٍ على الفعل إلى ذريعةٍ لتبريره، ويتحوّل التعاطف من واجبٍ أخلاقي إلى غطاءٍ لإفلات الفاعل. الرحمة الحقيقية لا تتعارض مع الحكم؛ بل تستوجبه، لأن الصمت عن الظلم باسم “المشاعر” هو أقسى أشكال الخيانة لمن وقع عليهم الظلم.
هاتان القاعدتان — رفض ابتزاز التعقيد ورفض ابتزاز المشاعر — هما الحدّ الأدنى لوعيٍ نقدي لا يُستدرج إلى تسويةٍ زائفة تحت أي غطاء، عقلانياً كان أم عاطفياً. ومن دونهما يظلّ الخطاب العام رهينةً لمن يُجيد إدارة الضباب، سواء صنعه بلغة التحليل أو بلغة الدموع الكاذبة.
La Trahison des images
The Treachery of Images
خيانة الصور
René Magritte – رينيه ماغريت – 1929
ليست المشكلة في ما نراه،
بل في ما نُسمّيه.حين يُعاد تعريف العنف بوصفه “توازناً”،
لا يتغيّر الواقع…
بل تتغيّر قدرتنا على الحكم عليه.



