صدرت مؤخراً فتوى تقضي بأن التعامل في أراضي الإصلاح الزراعي المؤمَّمة منذ الستينيات محرَّم ما لم يأذن به “المالك الأصلي” قبل التأميم. قد يبدو الأمر نقاشاً فقهياً طبيعياً حول البيع والشراء والمعاملات اليومية والغش في الميزان، لكنه في الحقيقة نقاش سياسي واجتماعي بامتياز يعيد فتح سؤال مؤجَّل منذ تأسيس الدولة السورية، ويتعلق بالصراع الاجتماعي الأعمق فيها: من يقرّر أي ملكية تُعدّ “أصلية” وأيها طارئة؟ وما يستتبعه ذلك من سؤال فقهي قانوني: من يملك حق تحديد نقطة الصفر في التاريخ؟ ومتى تبدأ سردية المظلومية ووفق أي منطق؟
الجواب الضمني في الفتوى أن الشريعة تملك هذه السلطة، وأن فقه المعاملات هو المرجع. لكن هذا الجواب يقفز فوق تمييز جوهري بين مستويين مختلفين جذرياً: فقه المعاملات الذي ينظّم علاقات أفراد في زمن محدّد، ومنطق الدولة الذي يتعامل مع حقوق تراكمت عبر أجيال وترسّخت كوقائع اجتماعية لا يمكن نسفها بقرار، وهذا ما يفترض به أن يكون منطق الدولة لا تتعامل فقط مع تحليل وحكم مباشر للظواهر الاجتماعية والاقتصادية، بل مع المجتمعات وفق منطق الاستقرار وصيانة الحقوق المكتسبة وحفظ ثبات المعاملات وضمان الأمن المجتمعي.
وحتى لو ذهبنا لظاهر الفتوى ومنطقها المباشر، تبقى الإشكالية أعمق بكثير من طرحها المبسط للأمور. فـ“المالك الأصلي” نفسه مفهوم تاريخي ملتبس. كثير من ملكيات ما قبل الإصلاح الزراعي لم تنشأ عن عمل أو استثمار أو حيازة حقيقية، بل عن توزيعات عثمانية وانتدابية مُنحت لضمان الولاء وبناء شبكات نفوذ. قانون الأراضي العثماني عام 1858 حوّل أراضي مشاعية زرعتها مجتمعات قروية لأجيال إلى ملكيات فردية مسجَّلة، فيما فقد كثير من الفلاحين الذين أحجموا عن التسجيل — خشية التجنيد الإجباري أو جهلاً بالإجراءات — حقوقهم على أرض زرعها أجدادهم. الفلاح الذي يرفض اليوم الاعتراف بشرعية “المالك الأصلي” لا يتهرّب بالضرورة من العدالة، بل ينطلق من وعي — وإن كان عفوياً وغير مصاغ — بأن السند القانوني وحده لا يُنشئ الحق حين يكون هو نفسه نتاج قرار سلطوي.
هذا لا يعني أن الإصلاح الزراعي كان عادلاً، لكنه يعني أن تسلسل الملكية في سوريا مكسور من أعلى ومن الوسط معاً. أي أننا لا نواجه ظلماً واحداً قابلاً للتصحيح، بل طبقات متراكمة من قرارات سلطوية متعاقبة، كل واحدة ادّعت أنها تصحّح سابقتها.
ما نواجهه ليس مجرد نزاع على عقود، بل إشكالية عدالة انتقالية عقارية بامتياز: كيف تتعامل مجتمعات خارجة من الاستبداد مع طبقات متراكمة من الظلم طال الأرض والملكية والهوية معاً؟ العدالة الانتقالية العقارية — بخلاف فقه المعاملات — لا تسأل “من المالك الشرعي؟” بل تسأل: كيف نبني علاقة جديدة بين المجتمع والأرض والدولة دون أن يدفع الحاضر ثمن كل أخطاء الماضي مرة واحدة؟ تجارب ما بعد الصراع، من جنوب أفريقيا إلى كولومبيا، تُظهر أن هذا السؤال لا يُحسم بقرار، بل بمسار طويل من التفاوض الاجتماعي المؤسَّس.
ومن هنا تتضح المفارقة الحقيقية: الفتوى لا تعيد الحق إلى أصحابه، بل تختار لحظة تاريخية بعينها وتجمّدها. وهذا الاختيار ليس تفصيلاً تقنياً، بل قرار سياسي كامل يُمارَس هنا بلغة دينية. من يحدّد لحظة “الأصل” يحدّد عملياً توزيع الثروة والسلطة في الحاضر. لماذا ما قبل التأميم تحديداً، وليس ما قبل الانتداب الفرنسي؟ ولماذا ليس ما قبل قانون التسجيل العثماني؟ لأن سلطة تعريف البداية هي في جوهرها سلطة إعادة ترتيب المجتمع.
والمفارقة الأكثر إيلاماً أن هذا النمط ليس جديداً. حين أعلن حزب البعث العربي الاشتراكي أن الأرض للفلاح باسم العدالة الاجتماعية، بنى على حق ظاهري بإنصاف الفلاح ولكنه مع الزمن حول الملكية إلى نوع آخر من – إقطاعية السلطة- التي ربطت الفلاح بها بشكل بنيوي وصادرت السياسة باسم الدولة واستُبعد المجتمع عن تقرير مصيره. واليوم، حين تُبطَل عقود الملكية باسم الشرع، تُصادَر السياسة من جديد ولكن باسم المقدّس. في الحالتين، المجتمع ليس طرفاً في القرار، بل موضوعاً له. الأدوات تغيّرت، لكن منطق إخضاع المجتمع بقي نفسه.
ومع ذلك، لا يجوز التهرّب من السؤال الأخلاقي الحقيقي: المالك الذي جُرّد من أرضه قسراً دون تعويض عادل له مظلمة حقيقية لا يجوز التهوين منها. الإقرار بهذه المظلمة ليس ضعفاً في الحجة، بل شرط لصدقيتها. كما أن كثيراً من ورثة هؤلاء المالكين اليوم لم يعودوا أصحاب امتياز، بل أفراد عاديون داخل دورة الانهيار نفسها، ما يجعل اختزال الصراع في ثنائية “مالك/فلاح” تبسيطاً مضلِّلاً.
المشكلة ليست في الاعتراف بحق المظلومين، بل في الأداة المقترحة لمعالجتهم. فحين تُبطَل عقود البيع التي جرت على مدى عقود، يتحول ملايين الفلاحين وورثتهم فجأة من أصحاب حق إلى “ساكنين في أرض مغصوبة”، وتتحول سوريا كلها إلى ساحة نزاعات عقارية بلا أفق. نحن لا نتحدث عن خلافات فردية، بل عن إعادة تفجير الريف والمدن بمنطق الاسترداد، في بلد لم يخرج بعد من الحرب.
مشكلة الأراضي في سوريا ليست ملفاً فقهياً ولا تقنياً، ولا يجوز التعامل معها بهذا المنطق المبسط، بل هي ركن من أركان إعادة بناء العلاقة بين المجتمع والأرض والدولة معاً. وهذا المسار يستلزم أدوات من طبيعة مختلفة: هيئات مستقلة لتقييم المظالم العقارية، معايير واضحة تميّز بين التعويض العادل وإبطال الحقوق المكتسبة، وتشريعات تحول دون إعادة إنتاج الإقطاع بأي صورة — بثوب اشتراكي قديم أو برداء ديني جديد. هذا المسار بطيء ومرهق ولا يُشبع رغبة أحد في حسم فوري، لكنه الوحيد القادر على الفصل بين ثلاثة أشياء كثيراً ما يختلط خطابنا في التمييز بينها: المظلمة التاريخية التي تستحق الاعتراف، والحق المكتسب الذي يستحق الحماية، والعدالة الانتقالية التي تستحق المؤسسة لا الفتوى. دون هذا المسار، ستبقى كل فتوى وكل قانون مجرد أدوات لإعادة توزيع الغضب لا توزيع العدالة.
الأوطان لا تُبنى باستعادة ما قبل الدولة، بل ببناء ما تجاوز الخراب. وأي محاولة لتجميد التاريخ عند لحظة بعينها ليست بحثاً عن حق، بل فرض سردية بالقوة الرمزية، وزرع صراع مؤجَّل في أرض لم تلتئم جراحها بعد.
La era — Francisco de Goya
The Threshing Floor
البيدر — فرانسيسكو غويا
في لوحة غويا، يدور الفلاحون حول المحصول، بينما تقف القلعة في الخلف صامتة. أجساد تعمل في المقدّمة، وثروة تتراكم في الوسط، وسلطة تحدّق من بعيد وهي تعرف ان المحصول سيكون لها طالما الناس منشغلة بصراعاتها الصغيرة.
ما تغيّر عبر القرون هو أسماء القلاع، لا منطقها.



