بعد انتصار العباسيين على الدولة الأموية في أعقاب معركة الزاب سنة 132هـ/750م، لم تتوقف عملية الانتقال السياسي عند إسقاط السلطة القائمة وملاحقة رجالها، بل امتدت إلى ما هو أبعد من ذلك. فقد توجه عبد الله بن علي، عم الخليفة العباسي أبي العباس السفاح وقائد جيوشه في الشام، إلى دمشق، وكان أول ما فعله زيارة قبور خلفاء بني أمية.
لم تكن هذه «الزيارة» عادية. يذكر المسعودي في «مروج الذهب» أن القبور نُبشت تباعاً. وعندما فُتح قبر معاوية بن أبي سفيان، مؤسس الدولة الأموية، «لم يجدوا فيه إلا خيطاً أسود مثل الهباء». ثم توالت عمليات النبش في قبور خلفاء آخرين، منهم عبد الملك بن مروان.
لكن القصة التي استوقفت المؤرخين أكثر من غيرها كانت قصة قبر هشام بن عبد الملك. فقد أورد ابن الأثير في «الكامل في التاريخ»، ونقل عنه ابن كثير في «البداية والنهاية»، أن جثمان هشام وُجد على حالة مختلفة عن غيره، وأنه «وجد صحيحاً لم يبل منه غير أرنبة أنفه». وتتابع الرواية أن عبد الله بن علي انزعج من ذلك، فأمر بإخراج الجثة من قبرها وعذبها بجلدها بالسياط، ثم صلبها أياماً، وأحرقها بالنار.
قد يناقش بعض الباحثين المعاصرين تفاصيل هذه الروايات، وقد يختلفون حول مدى دقة بعض الجزئيات الواردة فيها. لكن ما لا خلاف عليه تقريباً هو أن أصل الحادثة نفسها ورد في عدد كبير من المصادر التاريخية الإسلامية، وأنها تعكس مستوى العداء الذي رافق انتقال السلطة بين الأمويين والعباسيين.
غير أن أهمية هذه الواقعة لا تكمن في تفاصيلها وحدها، بل في المفارقة التي تكشفها. فقد قامت الثورة العباسية، في جانب من خطابها، على نقد مظالم الدولة الأموية وادعاء السعي إلى إقامة حكم أكثر عدلاً. لكن الدعوة إلى إسقاط الظلم لا تمنح أصحابها حصانة أخلاقية تلقائية، فدعوة العباسيين لم تُترجم بالضرورة إلى إقامة العدل؛ فالوصول إلى السلطة شيء، والالتزام بالمبادئ والسرديات التي تم تبنيها للوصول إليها شيء آخر. ولهذا، ما إن استقر لهم الحكم حتى دخلوا هم أيضاً في دوامة الصراع على السلطة والعنف والإقصاء التي خرجوا أصلاً للاحتجاج عليها
هذه ليست خصوصية عباسية، بل واحدة من أكثر الظواهر تكراراً في التاريخ. فالثائر ليس أكثر فضيلة بحكم كونه ثائراً، والمظلوم لا يبقى بالضرورة منحازاً إلى العدالة عندما يصبح قادراً على ممارسة القوة. ولهذا فإن معيار الحكم على الجماعات والحركات السياسية ليس الشعارات التي ترفعها أو المظالم التي ثارت ضدها، بل القيم التي تلتزم بها عندما تمتلك السلطة.
ومن هنا تكتسب حادثة نبش القبور معناها الأوسع. فالنبش لم يكن فعلاً موجهاً إلى الموتى بقدر ما كان تعبيراً عن منطق سياسي كامل؛ منطق يرى أن الانتصار لا يكتمل إلا بإذلال المهزوم، وأن المظلومية لا تنتهي بالحصول على العدالة، بل باستبدال موقع الضحية بموقع المنتقم.
وحين نقرأ الحادثة من هذه الزاوية، تبدو أقل ارتباطاً بالماضي وأكثر راهنيةً مما نتصور، فأخطر أنواع النبش ليس ما جرى في مقابر دمشق قبل أكثر من ألف عام، بل ذلك الذي ما زال يتكرر في وعينا السياسي حتى اليوم، وإن تغيرت الأسماء والرايات والعصور. فهناك من ينبش مظالم حقيقية أو متخيلة ليجعل منها وقوداً لصراعات الحاضر، وهناك من يحول الجراح القديمة إلى هوية سياسية دائمة، فتصبح الذاكرة عنده خزينة للثأر لا مجالاً للفهم. فكم من جماعة تنبش مظلومياتها القديمة لتمنح نفسها حقاً استثنائياً في الحاضر؟ وكم من سلطة حاكمة تستحضر جراح الأمس لتبرر أخطاء اليوم وتشرعن قبضتها على الحكم؟ وأخطر من ذلك كله: كم من مجتمع أوسع يُفرض عليه أن يبقى أسير ذاكرة الصراع، حتى تتحول مظلوميته إلى قيد يعيد تعريف هويته، فيظل متقوقعاً داخل السردية، خزاناً بشرياً لسلطة لا تملك أن تقدّم له سوى وهم العدالة؟
ليست المشكلة أن الأمم تمتلك ماضياً دموياً أو مثقلاً بالمظالم، فذلك يكاد يكون سمة مشتركة في تاريخ البشر جميعاً. المشكلة تبدأ عندما تتحول تلك المظالم إلى رأس مال سياسي دائم، وعندما تصبح الذاكرة مصدراً للشرعية أكثر من كونها مصدراً للفهم وتشكيل الوعي. عندها لا يبقى الماضي وراءنا، بل ينتقل إلى داخل الحاضر ويبدأ بإعادة تشكيله على صورته.
فالمأساة لا تتحول إلى مشكلة سياسية لأنها وقعت، بل لأنها تُستدعى باستمرار لتحديد من نحن ومن هم الآخرون. وعندما تكف المظلومية عن كونها ذكرى تستحق الإنصاف، وتتحول إلى هوية كاملة يُعاد تعريف الجماعة من خلالها، يصبح النبش جزءاً من بنية السياسة نفسها لا مجرد استدعاء عابر للتاريخ، ويتحول ليصبح بحثاً عن مبررات جديدة للانقسام لا عن الحقيقة، وتتحول الذاكرة من وسيلة للفهم إلى ساحة معركة تنتقل من جيل إلى جيل.
وتقدم المجتمعات لا يتم بهذه الطريقة. فأي مشروع جدي للانتقال من منطق الثأر إلى عقلية بناء السلام لا يبدأ من تمجيد الماضي وتقديسه، بل من القدرة على إعادة قراءته كاملاً، لا بوصفه تاريخ أبطال وأشرار، ولا بوصفه سلسلة من الانتصارات الخالدة، بل بوصفه تجربة بشرية معقدة ومليئة بالتناقضات، يتداخل فيها الخير والشر بين البشر والجماعات والدول، وتتقاطع الإنجازات بالأخطاء، والمصالح بالمبادئ، والعمران بالعنف، والطموحات بالمخاوف.
فالقطيعة الحقيقية مع الماضي لا تتحقق بتغيير الأسماء أو تبديل الرايات أو استبدال جماعة حاكمة بأخرى، بل بمعيار واحد لا يتغير: ألا تفقد الجريمة صفتها لأن مرتكبها من «أبنائنا»، ولا يفقد الضحية قيمته لأنه خصمنا. ومعيار أي نهضة فكرية أو سياسية ليس الحماسة للماضي، بل القدرة على نقده والجرأة على القطيعة مع بعض أفكاره وممارساته؛ فالسؤال ليس من كان على حق قبل ألف عام، بل ماذا نتعلم اليوم، وكيف نمنع التكرار؟
وهكذا تدور الدائرة: ضحية الأمس تصبح جلاد اليوم، وجلاد اليوم يصبح ضحية الغد، فيما تبقى الممارسات نفسها تنتقل من جيل إلى جيل؛ يتغير اللاعبون وتبقى القواعد على حالها. وكسر هذه الدائرة، لا الانتصار على الخصوم، هو ما تبدأ به القطيعة الحقيقية: أن نرفض أن نرث مظلوميات الماضي كتفويض مفتوح لظلم جديد، وأن نرفض تحويل جراح التاريخ إلى مشاريع سياسية دائمة، وأن نجعل من ذاكرة الألم مصدراً للعدالة لا للانتقام.
لم يسلم خلفاء العباسيين أنفسهم، في العصور اللاحقة، من نبش قبورهم هم أيضاً، وكأن التاريخ أعاد إنتاج المشهد ذاته بصورة مختلفة. فمنطق نبش القبور لا يصنع عدالة ولا يبني مستقبلاً، ونباشو القبور لن يحصلوا في النهاية إلا على قبور منبوشة، لهم ولأرواحهم. والمصالحة الحقيقية لا تبدأ مع الآخرين، بل مع أنفسنا أولاً، ثم معهم؛ ولا تقوم على النسيان أو الانتقام، بل على الاعتراف: أن نعترف بما جرى كما جرى، لا كما يناسب روايتنا، وأن نقرر ألا نكرره.
وإلا فإننا سنبقى، جيلاً بعد جيل، ندفن الضحايا ونورث الثأر، ثم نعود لننبش الاثنين معاً.
كما يصنع البشر أوثانهم من الخوف واليقين الزائف، يصنعون أوثانهم السياسية من المظلوميات والذكريات، ثم يدورون حولها جيلاً بعد جيل، ويقدمون أبناءهم قرابين على مذابحها.
Francisco de Goya
فرانسيسكو دي غويا
Francisco de Goya y Lucientes
Witches’ Sabbath (The Great He-Goat)
مجلس الساحرات (التيس الأعظم)
El Aquelarre (El Gran Cabrón)
1821–1823
من سلسلة «اللوحات السوداء» (Black Paintings)



