لم تكن زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى سوريا يومي 25 و26 تموز/يوليو 2026 مجرد «زيارة تضامن»، كما وصفها، ولا احتفالاً بعودة دمشق إلى المجتمع الدولي، كما أرادت السلطة أن تُقرأ. كانت، في جوهرها، اختباراً للعلاقة التي يعيد الطرفان بناءها منذ سقوط نظام بشار الأسد: سلطة جديدة لا ترى أن وجودها أو شرعيتها يُستمدّان من الأمم المتحدة، ومنظمة دولية لم تُنهِ مهمتها السياسية في سوريا، لكنها لم تعد تعرف تماماً بأي أدوات تستطيع ممارستها.
تظهر هذه المفارقة في تفاصيل الزيارة نفسها. التقى غوتيريش الرئيس الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني، وزار سجن صيدنايا، واجتمع بمسؤولين عن العدالة الانتقالية والمفقودين وبممثلين عن المجتمع المدني، كما التقى رئيس مجلس الشعب وأعضاء هيئة مكتبه. لكن الكلمة أمام المجلس، التي أعلن مكتبه أنها ضمن برنامج الزيارة، لم تُلقَ؛ جرى تغيير البرنامج من دون إعلان أو تفسير، واقتصر الأمر على اللقاء مع رئاسته. وفي المقابل، احتلت زيارة قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك «أندوف» وملف الجولان موقعاً مركزياً في البرنامج وفي تصريحات الأمين العام.
لم يمنح غوتيريش السلطة الجديدة شرعية تأسيسية، ولم تكن السلطة تنتظر منه ذلك. لكنه منحها ما يمكن تسميته غطاء الوظيفة المطلوبة: تعامل معها بوصفها الجهة التي تمثل الدولة خارجياً وتدير مؤسساتها بحكم الأمر الواقع، لا بوصفها اختزالاً للدولة أو ممثلاً للمجال السياسي السوري كله. وفي المقابل، احتفظ لنفسه وللأمم المتحدة بحق إعادة إدخال مفردات الانتقال السياسي والشمول والعدالة والمساءلة إلى النقاش السوري، وهي مفردات لا تريد السلطة أن تصبح مدخلاً لدور سياسي أممي يتجاوز الدعم التقني والاقتصادي والإنساني.
هذا التبادل غير المعلن هو النتيجة السياسية الأهم للزيارة. وما يأتي قراءة في بنية المواقف والبيانات المعلنة، لا ادعاء بمعرفة ما جرى داخل الغرف المغلقة.
زيارتان داخل زيارة واحدة
قدّمت دمشق الزيارة باعتبارها محطة في استعادة سوريا موقعها الدولي. ووفق البيان السوري، تناول اللقاء مع الشرع تعزيز التعاون في المجالات الإنسانية والتنموية، ودعم التعافي المبكر وإعادة الإعمار، واحترام سيادة سوريا ووحدتها وسلامة أراضيها. لم يرد في البيان ذكر لعملية سياسية أو انتقال شامل أو مشاركة مجتمعية أو مساءلة. كان التعريف السوري واضحاً: الأمم المتحدة شريك في استعادة الدولة لوظائفها وفي حمايتها داخل النظام الدولي، وليست وسيطاً في تحديد شكل السلطة أو إدارة المرحلة الانتقالية.
أما غوتيريش، فاستخدم لغة مختلفة. إلى جانب دعوته المجتمع الدولي إلى دعم سوريا وإعادة إعمارها، أكد استعداد الأمم المتحدة لدعم الانتقال السياسي والعدالة الانتقالية، وشدد على المساءلة والشمول ومشاركة السوريين في بناء مستقبلهم. وقبل الزيارة، أعلن مكتبه أن سوريا أمام فرصة لا تقتصر على التعافي من النزاع، بل تشمل بناء مستقبل أكثر استقراراً وشمولاً وازدهاراً لجميع السوريين. وقد أعاد الأمين العام تثبيت هذه المفردات في تصريحاته من دمشق، حتى عندما لم تظهر في البيانات السورية.
لا يثبت هذا الاختلاف وجود مواجهة داخل الاجتماعات، لكن يصعب اعتباره مجرد تباين تحريري. ففي لغة البيانات الدبلوماسية، لا تقل المفردات المحذوفة أهمية عن المفردات المثبتة. السلطة لم تعترض علناً على حديث غوتيريش عن الانتقال والعدالة، لأنها لا تستطيع رفض لغة دبلوماسية تبدو بديهية أمام المجتمع الدولي، لكنها لم تتبنَّ هذه اللغة في توصيفها للزيارة. والأمم المتحدة، في المقابل، قبلت إعطاء الأولوية للتعافي والسيادة، لكنها لم تقبل التخلي علناً عن الصفة السياسية لدورها.
بهذا المعنى، جرت زيارتان في الوقت نفسه: زيارة أرادتها دمشق لتثبيت موقعها السيادي والدولي، وزيارة أرادها غوتيريش لإثبات أن عودة الأمم المتحدة إلى سوريا لا تعني تحولها إلى وكالة للتعافي وإعادة الإعمار فقط.
الجولان: مركز الزيارة وليس مجرد محطة
لا يوجد إعلان رسمي يقول إن الجولان كان السبب الوحيد أو المعلن للزيارة، لكن برنامجها ونتائجها يجعلان منه المفتاح الرئيسي لفهم توقيتها ووظيفتها. فبعد سقوط النظام، دفعت إسرائيل قواتها إلى المنطقة العازلة وإلى مواقع سورية إضافية، وأعلنت أن اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974 انهارت. وفي مواجهة هذا التغيير الميداني، لا تملك دمشق القدرة العسكرية على استعادة ما خسرته أو وقف الانتهاكات الإسرائيلية، لكنها تستطيع محاولة منع تحوّل الوقائع العسكرية إلى وضع سياسي وقانوني جديد. هنا تحديداً تصبح الأمم المتحدة ضرورية.
أكد غوتيريش من دمشق، من دون تحفظ، أن الجولان أرض سورية، وأن ما هو سوري لا يمكن انتزاعه من سوريا، وطالب بوقف الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة السورية ولاتفاقية فض الاشتباك. كما أعلن أن الأمم المتحدة ستقدم تقريراً إلى مجلس الأمن عن الانتهاكات الإسرائيلية. ولم تكن زيارته لقوات «أندوف» تفصيلاً بروتوكولياً، بل إعادة تثبيت للحضور الأممي في المكان الذي تحاول إسرائيل تغيير قواعده.
لا تُنشئ تصريحات غوتيريش الوضع القانوني للجولان، ولا تعيد إحياء اتفاقية فض الاشتباك من العدم. فالاتفاقية ما تزال قائمة في الموقف الأممي، ومجلس الأمن جدد ولاية «أندوف» حتى نهاية عام 2026. لكن الزيارة أعادت تفعيل هذا الإطار سياسياً في مواجهة الرواية الإسرائيلية عن انهياره. وحتى إذا واصلت إسرائيل تغيير الواقع على الأرض، حصلت دمشق على موقف صادر عن أعلى مسؤول في الأمم المتحدة يؤكد استمرار المرجعية الدولية: الجولان أرض سورية محتلة، واتفاقية 1974 ما تزال الإطار الناظم، والقوات الأممية ما تزال مكلفة بمراقبتها.
وتتضاعف أهمية هذه الوظيفة لأن الغطاء الأميركي الذي تعتمد عليه السلطة في حماية موقعها لا يستطيع أن يؤديها؛ فالولايات المتحدة ما تزال الدولة الوحيدة التي اعترفت رسمياً بالسيادة الإسرائيلية على الجولان. لذلك ليست المظلة الأممية تكراراً للغطاء الأميركي، بل تعويضاً عن حدوده وتناقضاته في ملف السيادة.
وجاء هذا الموقف في سياق إقليمي أوسع. تعمل واشنطن منذ أشهر على ضبط الجبهتين السورية واللبنانية كيلا تتحولا إلى امتداد مفتوح للحرب مع إيران، وتدفع إلى ترتيبات أمنية بين سوريا وإسرائيل وأخرى في لبنان. كما وجّه الرئيس دونالد ترامب انتقادات علنية إلى قصف إسرائيل المباني السكنية في لبنان. لا يوجد ما يثبت أن زيارة غوتيريش كانت جزءاً من خطة أميركية منسقة، لكن وظيفتها تقاطعت مع هذا الاتجاه: منح دمشق رصيداً سياسياً محدوداً في ملف السيادة، في لحظة يُطلب منها أن تبقى داخل ترتيبات أمنية تضبط الجنوب ولا تفتح جبهة إضافية.
وظهرت حدود هذا الرصيد سريعاً. ففي اليوم الذي اختتم فيه غوتيريش زيارته، قصفت القوات الإسرائيلية مناطق سورية ودمّرت محولاً كهربائياً. لا يثبت التزامن أن القصف كان رداً مقصوداً على الزيارة، لكنه يثبت أن إسرائيل لم تتعامل مع الحضور الأممي بوصفه قيداً عملياتياً. أعطت الزيارة دمشق رصيداً سياسياً ومرجعية يمكن استخدامها، لا حماية عسكرية ولا قدرة ردع.
لهذا لم تكن السلطة بحاجة إلى غوتيريش كي يمنحها حق الحكم، بل كي يؤكد حقوق الدولة التي تديرها. وهذا هو الفارق بين الشرعية والوظيفة.
الشرعية التي لا تمنحها الأمم المتحدة
السلطة السورية لا تعتقد أن شرعيتها أو قدرتها على البقاء تأتيان من الأمم المتحدة. مصدر الحماية والاعتراف السياسي الخارجي الذي تعتمد عليه هو الغطاء الأميركي والإقليمي، إضافة إلى سيطرتها الفعلية على مؤسسات الدولة وعلى معظم الأرض السورية. كما أن وظيفة الأمم المتحدة ليست منح الاعتراف الثنائي بالحكومات؛ فهذا تمنحه الدول، فيما تحسم أجهزة المنظمة مسائل التمثيل والاعتماد والتعامل المؤسسي.
لكن الغطاء الأميركي والإقليمي لا يستطيع بمفرده إنتاج الوظائف التي توفرها المنظومة الأممية والمؤسسات متعددة الأطراف. لا يستطيع إنشاء ولاية دولية لـ«أندوف»، أو تثبيت وضع الجولان في منظومة القرارات الدولية، أو تنسيق منظومة المساعدات، أو منح العلاقة مع دمشق شكلاً مؤسسياً متعدد الأطراف. أما العقوبات ومؤسسات التمويل الدولية فليست كلها من اختصاص الأمم المتحدة، لكن تخفيف العزلة والوصول إلى هذه المؤسسات يتأثران بالقبول الدولي الأوسع الذي تعكسه العلاقة مع المنظمة.
لذلك لا يصح القول إن غوتيريش منح السلطة شرعية كاملة، كما لا يصح اختزال زيارته في إجراء تقني. كرّست الزيارة التعامل مع السلطة بوصفها ممثلة الدولة في الخارج والمحاور اللازم في شؤون مؤسساتها، لكن ذلك لا يجعلها ممثلة لجميع السوريين ولا يجعل الدولة مختزلة فيها. وبقي السؤال المختلف تماماً من دون حسم: هل أصبحت هذه السلطة تعبيراً عن انتقال سياسي شامل يملك فيه السوريون حق تقرير شكل دولتهم الجديدة؟ وتزداد صعوبة السؤال لأن المجال السياسي السوري لا يُختزل في ثنائية السلطة والأمم المتحدة؛ فثمة قوى أمر واقع ومناطق خارج سيطرة دمشق ومكونات لم تجد بعد مكانها في أي إطار تمثيلي. تركز هذه المادة على العلاقة بين دمشق والمنظمة الدولية من دون ادعاء الإحاطة بخريطة التمثيل السوري كلها. وهذا السؤال هو موضع الخلاف الحقيقي.
مكتب بلا مبعوث
منذ انتهاء مهمة غير بيدرسون، واصلت نائبته نجاة رشدي تسيير عمل المكتب لفترة، ثم غادرت من دون تعيين مبعوث جديد. وفي كانون الأول/ديسمبر 2025، أُعلن تعيين كلاوديو كوردوني نائباً للمبعوث، فبقي مكتب سياسي يقوده نائب في غياب صاحب المنصب الأصلي، ويواصل تقديم الإحاطات إلى مجلس الأمن والعمل على تعزيز حضوره داخل دمشق.
ليس استمرار المكتب أو تولي نائب بعض مهام القيادة أثناء الشغور وضعاً بلا سوابق. فقد عرف تاريخ المهمة فترات انتقال بين المبعوثين استمر خلالها عمل الطاقم وتولى نواب أو مسؤولو المكتب الاتصالات والإحاطات. لذلك لا يكفي غياب المبعوث وحده دليلاً على خلاف سياسي. لكن طول الشغور هذه المرة، وتزامنه مع تغير السلطة وانهيار المسار التفاوضي وإعادة تعريف وظيفة المكتب، يجعلان دلالته أكبر من مجرد ترتيب انتقالي.
ولا تكمن دلالة تعيين كوردوني في سيرة ذات طابع تقني أو اقتصادي؛ فخبرته الأساسية تنتمي إلى حقوق الإنسان والقانون الدولي والعدالة الانتقالية وسيادة القانون. الدلالة الأوضح تظهر في المفارقة بين هذه الخلفية وبين الأجندة العملية التي يقودها. فهو يواصل الحديث عن العدالة والمساءلة والشمول، لكنه يركز أيضاً على التعاون المؤسسي والتعافي الاقتصادي والإصلاح التشريعي والمؤسسي، وعلى الاستعداد لنقل مكتب جنيف إلى دمشق. أي أن المكتب يحاول الجمع بين وظيفتين يصعب التوفيق بينهما: التعاون مع مؤسسات السلطة من داخل سوريا، والحفاظ على تكليف سياسي يسمح له بمناقشة الشمول والعدالة والدستور والمشاركة.
ولا تمانع دمشق وجوداً أممياً إضافياً في العاصمة؛ فالوجود الأممي قائم أصلاً ولم ينقطع خلال الحرب، عبر المنسق المقيم والفريق القطري والوكالات المتخصصة. ويعمل هذا الجهاز وفق إطار استراتيجي موقّع مع الحكومة السورية، ويغطي المساعدات والتنمية والتعافي والخدمات وعودة اللاجئين وبناء القدرات المؤسسية. في هذا المستوى تكون السلطة هي النظير الحكومي الطبيعي للمنظمة، ولا يقتضي التعاون معها فتح سؤال من يمثل المجال السياسي السوري.
أما مكتب المبعوث فوجوده مختلف في النوع لا في الدرجة. فهو مكتب للمساعي الحميدة والوساطة السياسية، واستمراره يبقي قائماً تصوراً أممياً يتعامل مع السلطة بوصفها الطرف الذي يدير الدولة، من دون اعتبارها ممثلة لجميع الأطراف السورية أو الإقرار بأن الانتقال اكتمل. فإذا قبلت المنظمة سردية أن سقوط النظام أنهى الانتقال وأن ما بقي هو التنمية وإعادة الإعمار، فلن يبقى سبب عملي لمكتب المبعوث؛ يستطيع المنسق المقيم والفريق القطري أداء هذه الوظائف. لذلك فإن إبقاء المكتب، حتى بلا مبعوث، هو بحد ذاته إبقاء للسياسة وتحفظ مؤسسي على إعلان نهاية الانتقال.
ومن تلاقي هذه المؤشرات—الشغور، والأجندة المختلطة، والسعي إلى الانتقال إلى دمشق—تظهر حدود التفاوض غير المعلن: دمشق لا تعترض على حضور أممي إضافي، لكنها لا تريد عنواناً سياسياً يعيد فتح سؤال الانتقال؛ والأمم المتحدة تريد العمل من الداخل، لكنها لا تستطيع التخلي عن الصفة السياسية من دون إلغاء مبرر المكتب نفسه.
المكتب لا يقوم قانونياً على 2254 وحده
من المهم هنا التمييز بين مرجعية عمل مكتب المبعوث وبين الأساس المؤسسي لوجوده. فقد طلبت الجمعية العامة، في القرار 66/253 الصادر في شباط/فبراير 2012، من الأمين العام استخدام مساعيه الحميدة لدعم حل سلمي للأزمة السورية، وفي هذا الإطار جرى تعيين المبعوث الخاص المشترك بين الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية. أي أن أصل المهمة سبق القرار 2254 بأكثر من ثلاث سنوات.
جاء القرار 2254 لاحقاً ليمنح المكتب أقوى مرجعية سياسية في مجلس الأمن: طلب من الأمين العام، عبر مساعيه الحميدة ومبعوثه الخاص، جمع ممثلي الحكومة والمعارضة في مفاوضات رسمية حول انتقال سياسي، ودعم قيام حكم ذي مصداقية وشامل وغير طائفي، ووضع جدول لصياغة دستور جديد وإجراء انتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف الأمم المتحدة.
لكن المرجعية ليست هي الأساس الوحيد للوجود. حتى لو فقد القرار 2254 قابليته للتنفيذ أو مات سياسياً، يستطيع الأمين العام إبقاء المكتب أو تكييفه في إطار المساعي الحميدة وقرار الجمعية العامة والقرارات الأخرى ذات الصلة. ولا يعني ذلك أن المكتب خالد بقرار إداري؛ فحجمه وتمويله وصلاحياته تظل خاضعة لقرارات الأمم المتحدة وميزان التأييد السياسي لمهمته. وفي المقابل، لا يعني بقاء المكتب أن العملية التي أنشئ من أجلها ما تزال حية فعلاً.
يمكن، إذاً، أن يبقى المكتب بعد موت المسار، مثلما يمكن أن يبقى القرار بعد انهيار التوافق الذي أنتجه. وهذا ما حدث.
قرار حي قانونياً ميت سياسياً
لم يُلغَ القرار 2254، ولم يصدر قرار آخر يحل محله، وما تزال دول وأعضاء في مجلس الأمن يستندون إليه للدعوة إلى عملية سياسية سورية شاملة. والمقصود بأنه حي قانونياً أنه ما يزال قراراً قائماً ومرجعية مؤسسية لم تُسحب أو تُستبدل، لا أن كل فقراته تنفذ بذاتها أو يمكن فرضها آلياً. فبقاء القرار شيء، وتوافر الإرادة والقوة السياسيتين لتنفيذه شيء آخر.
فالقرار لم يكن خطة دولية مكتملة بقدر ما كان عنواناً لتوافق دولي أوسع قادته واشنطن وموسكو في لحظة محددة. صدر بالإجماع في 18 كانون الأول/ديسمبر 2015، بعد مسار فيينا وتشكيل المجموعة الدولية لدعم سوريا، وفي ذروة حاجة الطرفين إلى تنظيم تناقضهما داخل إطار مشترك. وقد قدّم وزير الخارجية الأميركي آنذاك جون كيري ونظيره الروسي سيرغي لافروف القرار بلغتين سياسيتين مختلفتين إلى حد بدا معه أحياناً كأنهما يتحدثان عن مسارين متباينين: انتقال سياسي بالنسبة إلى واشنطن، وحرب على الإرهاب مع حماية بنية الدولة بالنسبة إلى موسكو.
لم يكن هذا الاختلاف خللاً عرضياً، بل كان جزءاً من «الغموض البنّاء» الذي سمح بصدور القرار. لم يتفق الطرفان على مستقبل الأسد ولا على تعريف المعارضة المقبولة ولا على ترتيب مراحل الانتقال، لكنهما احتاجا إلى إطار يربط وقف النار بالعملية السياسية، وينظم مكافحة الإرهاب، ويمنع التصادم بين القوى الدولية المنخرطة عسكرياً.
ويكشف صدور القرار 2253 قبل يوم واحد جانباً آخر من مناخ تلك اللحظة. فقد أعاد ذلك القرار تنظيم نظام العقوبات الخاص بداعش والقاعدة وتوسيع أدوات ملاحقة الأفراد والكيانات المرتبطة بهما. لا يشكل 2253 جزءاً قانونياً من 2254، ولا يثبت وجود صفقة سرية واحدة، لكنه يوضح أن التوافق الدولي الأوضح لم يكن على مضمون الانتقال السياسي، بل على البنية الأمنية لمكافحة الإرهاب. أما العملية السياسية فاحتاجت إلى عبارات واسعة يستطيع كل طرف تفسيرها وفق مصالحه.
كذلك، لم يمنح 2254 غطاءً قانونياً للتدخل العسكري الروسي الذي بدأ قبل صدوره، ولا شرعن العمليات العسكرية الروسية. لكنه ربط صراحة بين وقف النار والمسار السياسي، وطلب آليات لمراقبته، واستثنى العمليات ضد التنظيمات المصنفة إرهابية. وبهذا المعنى كان جزءاً من تركيب سياسي–أمني أوسع: توافق واضح نسبياً على إدارة الحرب والإرهاب، وغموض مقصود بشأن شكل الانتقال.
بمجرد انهيار هذا التركيب، بدأ القرار يموت سياسياً.
من جنيف إلى أستانة: عندما تقدّم العسكري على السياس
ظهرت المرحلة الأولى من هذا الموت مع انهيار تفاهمات وقف الأعمال العدائية والتنسيق الروسي–الأميركي عام 2016، ثم مع انتقال مركز الثقل إلى مسار أستانة عام 2017. فقد بنت روسيا، بالشراكة مع تركيا وإيران، مساراً يتفاوض أساساً مع القوى المسلحة وعلى ترتيبات وقف النار ومناطق خفض التصعيد، انطلاقاً من قناعة أن من يحمل السلاح هو الطرف الأهم في إنتاج الوقائع.
كان هذا امتداداً لعقلية «المصالحات» التي طبقتها روسيا في سوريا: تسويات تنهي القتال أو تعيد توزيع السيطرة من دون أن تنتج عقداً سياسياً جديداً. لم تكن أستانة مجرد منصة عسكرية محايدة؛ حملت طموحاً روسياً إلى بناء مسار موازٍ لجنيف يستطيع تحويل التسويات العسكرية إلى هندسة سياسية. ومع تحول مناطق خفض التصعيد إلى أدوات لإعادة هندسة السيطرة، ثم انتهاء معظمها بتسويات عسكرية أو بعودة النظام السابق إليها، تراجع الدافع الدولي إلى فتح مفاوضات سياسية حقيقية؛ فقد أدت الترتيبات الأمنية الوظيفة الأكثر إلحاحاً بالنسبة إلى القوى الخارجية. لكن موسكو كانت تعرف أيضاً أن أي اتفاق نهائي سيحتاج إلى مظلة دولية تمنحه الاعتراف والاستمرارية.
لهذا حضر المبعوث الأممي اجتماعات أستانة. لم يشارك الغرب في المسار بوصفه شريكاً، وتحفظ على تحويله إلى بديل من جنيف، لكنه تعامل معه بوصفه أمراً واقعاً ضرورياً لترتيبات وقف النار. أما الأمم المتحدة فحاولت إبقاء ما يجري داخل الإطار الدولي، كيلا تصبح التسويات العسكرية بديلاً كاملاً من العملية السياسية. وكان الحضور الأممي مفيداً لموسكو أيضاً، لأنها احتاجت، في النهاية، إلى مظلة دولية لإخراج أي نتيجة سياسية قابلة للاعتراف.
تكررت المعادلة في مؤتمر سوتشي عام 2018. حاولت روسيا تقديمه بوصفه حواراً وطنياً، ثم ربطت مخرجاته بالأمم المتحدة لإطلاق اللجنة الدستورية. وبذلك تحولت اللجنة، التي بدأت عملها في 2019، إلى الجسر الذي أبقى الصلة الشكلية بين المسار الروسي والقرار 2254.
بالنسبة إلى المبعوث الجديد وقتها السيد بيدرسون، أصبحت اللجنة الدستورية وسيلة لملء فراغ المهمة. لم تتوافر له القدرة على فتح مسار تفاوضي شامل جديد، ولم يفتح مساراً بديلاً، فتركز العمل على لجنة محدودة الصلاحية لا تستطيع وحدها إنتاج انتقال سياسي. وحتى هذه اللجنة لم تحقق نتيجة، ثم توقفت بعد الجولة الثامنة عام 2022.
وجاءت حرب أوكرانيا لتغلق ما بقي من التوافق. ظهرت مشكلة المقر بعدما قالت موسكو إن سويسرا فقدت حيادها بانضمامها إلى العقوبات الغربية، وامتنع وفد الحكومة عن العودة إلى جنيف، فيما لم يحصل اتفاق على مكان بديل. وقد لخّص بيدرسون الجانب المعلن من الأزمة أمام مجلس الأمن بقوله إن روسيا أثارت مسائل تتعلق بمقر الاجتماعات، مع تأكيده أن المشكلة الأعمق بقيت غياب التقدم في المضمون. وهكذا أصبحت أزمة المقر التعبير الإجرائي عن انهيار سياسي أوسع: لم تعد روسيا والغرب قادرين حتى على حماية المنصة التي أنتجها تفاهمهما السابق.
لم يمت القرار 2254، إذاً، بسبب سقوط نظام الأسد. كان قد مات سياسياً قبل ذلك بسنوات: بدأ موته عندما تقدم مسار إدارة الحرب على مسار الانتقال، وتعمق عندما اختُزلت العملية السياسية في اللجنة الدستورية، واكتمل مع انهيار التفاهم الروسي–الغربي بعد حرب أوكرانيا.
سقوط النظام لم يقتل القرار؛ بل كشف موته.
ماذا يبقى من قرار ميت؟
الاعتراف بالموت السياسي للقرار لا يقتضي التخلي عن مضمونه. فالقرار ما يزال حياً قانونياً، والأهم أن عناصره الأساسية ما تزال تقدم بوصلة ضرورية: عملية يقودها السوريون وتملكها سوريا، حكم شامل وغير طائفي وذو مصداقية، دستور جديد، انتخابات حرة، مشاركة النساء، وحماية حقوق جميع السوريين.
قبل إقرار اللجنة الدستورية، وفي أحد لقاءاتي مع ستيفان دي ميستورا في جنيف في أيار/مايو 2018،في إطار المشاورات المتعلقة بتشكيل الثلث المدني الثالث، لخّص العملية السياسية السورية بثلاث ركائز تبقى ثابتة مهما اختلفت العبارات والآليات: حوار، ودستور، وانتخابات. لم تكن تلك وصفة إجرائية خاصة بمرحلة جنيف، بل تحديداً للوظائف التي لا يتحقق انتقال سياسي من دونها: حوار يتيح للسوريين المشاركة في تحديد شكل الدولة، ودستور يؤسس قواعد الحكم ويوزع السلطة ويقيدها، وانتخابات تمنح المواطنين حق الاختيار والمحاسبة.
جرى اللعب بهذه الركائز الثلاث طوال سنوات النزاع. حملت لقاءات السلطة منذ عام 2011 اسم «الحوار» من دون أن تسمح بتفاوض حقيقي على بنية الحكم. وقدمت روسيا مؤتمر سوتشي بوصفه حواراً وطنياً، مع أن القوى العسكرية والدول الراعية كانت صاحبة التأثير الحاسم في نتائجه. وبعد سقوط النظام عُقد حوار جديد، لكنه لم يتحول إلى عملية تشاركية ملزمة، بل بقي أقرب إلى مشهد تمثيلي استخدمته السلطة بالقدر الذي يلائم خياراتها المسبقة ورمت الباقي منه.
وتكرر الأمر مع الدستور. أصدر النظام السابق دستوراً جديداً في الظاهرفي العام 2012، لكنه أبقى جوهر السلطة من دون تغيير، ثم ربطت روسيا مخرجات سوتشي باللجنة الدستورية لتضع مسارها السياسي تحت المظلة الأممية. وبعد سقوط النظام صدر إعلان دستوري بوصفه وثيقة ناظمة للمرحلة، لكن الممارسة لم تُظهر حتى الآن أن السلطة تتعامل معه باعتباره قيداً فعلياً على قراراتها. وفي كل هذه الحالات كان النص أو الحوار موجوداً، بينما غابت الوظيفة السياسية التي يفترض أن يؤديها.
أما الانتخابات، فلم تصل سوريا بعد إلى انتخابات يستطيع المواطنون من خلالها اختيار السلطة التنفيذية ومحاسبتها ضمن قواعد متفق عليها. وما جرى من ترتيبات تمثيلية أو تعيينات أو اقتراع غير مباشر لا يعوض هذه الوظيفة، لأنه يجري داخل بنية انتقالية حددت السلطة قواعدها وحدودها مسبقاً.
لهذا لا تكفي تسمية لقاء ما «حواراً»، ولا إصدار وثيقة تحمل اسم الدستور، ولا تنظيم عملية انتخابية محدودة للقول إن الانتقال تحقق. العبرة ليست في وجود الأشكال الثلاثة، بل في قدرتها على إنتاج المشاركة والتقييد والمحاسبة. وإذا فرغت من هذه الوظائف، تصبح أدوات لإضفاء الشرعية على الأمر الواقع بدلاً من تغييره.
ولا يمكن تطبيق عناصر القرار 2254 اليوم بالطريقة نفسها التي صيغت بها عام 2015. لم تعد هناك حكومة الأسد ولا معارضة تفاوضها على هيئة حكم انتقالي، ولم تعد القوى الدولية التي صنعت القرار متفقة على إخراج واحد. التمسك الحرفي بالقرار قد يتحول إلى أداة تعطيل أو إلى حجة لعدم الاعتراف بالواقع، لكنه لا يقدم بمفرده مساراً تنفيذياً جديداً.
المطلوب ليس إعلان أن 2254 صالح كما كان، ولا دفن روحيته والتصرف كأن الانتقال انتهى بوصول سلطة جديدة. المطلوب تحرير مضمونه من الآلية التي ماتت، والحفاظ على الوظائف التي عبّرت عنها ثلاثية الحوار والدستور والانتخابات، وبناء إطار جديد يستجيب لموازين القوى الحالية من دون أن يحول انتصار طرف عسكري إلى تفويض مفتوح بإعادة تأسيس الدولة وحده.
فالانتقال السياسي لا يعني انتقال القصر من سلطة إلى أخرى، بل انتقال الدولة من بنية حكم مغلقة إلى نظام يستطيع السوريون المشاركة في تأسيسه ومساءلته.
المجتمع المدني: من الطرف الثالث إلى ملء الفراغ
لم يسمِّ القرار 2254 المجتمع المدني طرفاً تفاوضياً مستقلاً. فقد طلب من المبعوث جمع ممثلي الحكومة والمعارضة في مفاوضات رسمية، وشجع مشاركة النساء وتوسيع تمثيل المعارضة. لكن القرار أعاد اعتماد بيان جنيف، الذي احتوى التصور الأوسع للمشاركة . فالبيان لم يقل فقط إن هيئة الحكم الانتقالي يمكن أن تضم أعضاء من الحكومة والمعارضة و«مجموعات أخرى»، بل نص بصورة مستقلة على تمكين جميع فئات وشرائح المجتمع السوري من المشاركة في حوار وطني شامل وذي معنى، تُنفذ نتائجه.
من هذه الصلة جاءت المرجعية السياسية للدور المدني: ليست مقعداً تفاوضياً منحه 2254 صراحة، بل امتداداً لمبدأ المشاركة المجتمعية الذي تضمنه بيان جنيف وأعاد القرار تبنيه. وقد وسع دي ميستورا هذا المدخل عملياً. ففي عام 2016 قال أمام مجلس الأمن إنه ملزم، بموجب 2254، بضمان مشاركة أوسع طيف من السوريين، وربط ذلك مباشرة بمشاوراته مع المجتمع المدني والنساء وبعمل غرفة الدعم والمجلس الاستشاري النسوي.
لكن هذا الدور بقي منذ البداية على هامش البنية التفاوضية، لا في مركزها. رفضت الأطراف السياسية الاعتراف بالمجتمع المدني بوصفه طرفاً يمتلك تمثيلاً وموقفاً مستقلين، وقبلت به غالباً بوصفه قناة استشارية للمبعوث، ما دامت لا تشارك في صنع الاتفاقات ولا تعطل احتكار الحكومة والمعارضة للعملية. وحتى غرفة دعم المجتمع المدني ضيّقت المفهوم منذ إنشائها: فبدلاً من التعريف الواسع الوارد في بيان جنيف، أي جميع فئات وشرائح المجتمع، جرى تمثيل الدور المدني أساساً عبر المنظمات والأفراد المرتبطين بها.
ظهر الصراع على استقلال هذا الطرف بأوضح صوره في تشكيل اللجنة الدستورية. فقد قام تصميمها على ثلاثة أثلاث: خمسون تسميهم الحكومة، وخمسون تسميهم المعارضة، وثلث أوسط من المجتمع المدني والخبراء والمستقلين يفترض ألا ينتمي إلى أي من الطرفين. وكان التصور أن يضع المبعوث أسماء هذا الثلث وفق معايير التوازن والتنوع، وأن تحظى بقبول الطرفين من دون أن تتحول إلى امتداد للقائمتين السياسيتين.
لكن القائمة التي عمل عليها دي ميستورا لم تحصل على قبول الأطراف والدول الضامنة، ثم تحولت أسماء الثلث الثالث المستقل إلى موضوع تفاوض بينها. ومع انتقال الملف إلى بيدرسون، انتهى التشكيل إلى قائمة مقبولة بالتبادل، حذف منها أغلب المستقلين وضمت عملياً أسماء أقرب إلى دمشق وموسكو وأخرى أقرب إلى المعارضة وتركيا، من دون أن يعترض كل جانب على الأسماء المحسوبة على الآخر. وبذلك بقي اسم «الثلث الأوسط»، فيما تراجعت استقلالية اختياره وتحول من مساحة يفترض أن يحميها المبعوث إلى تسوية إضافية بين مراكز النفوذ السياسي. ومع أن الأمم المتحدة واصلت وصف أعضائه بأنهم غير تابعين رسمياً للحكومة أو المعارضة، فإن آلية الوصول إلى القائمة كانت قد أضعفت الوظيفة التي أُنشئ الثلث من أجلها.
وعندما توقفت المفاوضات، ثم تعطلت اللجنة الدستورية، اكتسبت غرفة دعم المجتمع المدني والمجلس الاستشاري النسوي وظيفة إضافية. لم يعودا مجرد آليتين للشمول، بل أصبحا وسيلة لملء الفراغ السياسي داخل مكتب وساطة لم تعد لديه مفاوضات. المجتمع المدني لم يكن بديلاً من التفاوض، لكنه كان آخر مكان بقي فيه السياسي حاضراً داخل مكتب فقد مساره التفاوضي. فمن خلال هذه اللقاءات بقيت أسئلة المشاركة والعدالة والحقوق والانتقال مطروحة، وبقي للمكتب اتصال بطيف من السوريين أوسع من النظام والأجسام التفاوضية التقليدية. ولم يكن هذا الطيف مستقلاً كله؛ فقد ضمّ سوريين لا يمثلون أي طرف سياسي، إلى جانب مشاركين عبّروا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عن وجهات نظر أطراف سياسية قائمة.
استمر العمل بعد سقوط النظام بشكل متناقص، وفي أحدث مؤشرات تحول الدور، انتهى عمل المجلس الاستشاري النسوي بصيغته السابقة، مع إبقاء احتمال تشكيل إطار جديد لاحقاً، فيما لم تعقد غرفة دعم المجتمع المدني اجتماعاً جامعاً منذ ما قبل انتهاء مهمة نجاة رشدي. لا يعني ذلك أن المكتب توقف عن لقاء منظمات وشخصيات مدنية، ولا يوجد قرار معلن بإلغاء كل المشاورات؛ لكنه يعني أن الأدوات المدنية الممأسسة التي حملت هذا الدور فقدت انتظامها أو انتهت بصيغتها السابقة.
والأهم أن مركز الثقل في هندسة التمثيل المدني تغيّر. فبعد أن كان الثلث المدني في اللجنة الدستورية عنوان مساومة بين النظام السابق وموسكو من جهة وأنقرة من جهة أخرى، سقط النظام وتراجع الدور الروسي، وبات النفوذ التركي مهيمناً، عملياً، على إعادة تشكيل التمثيل المدني المرتبط بالمسار السياسي وإنشاء أجسام جديدة خارج سياقاته الأممية السابقة.
لهذا لا تبدو التطورات مجرد إعادة تنظيم إداري. فالمسار التاريخي واضح: دور مدني استمد مرجعيته من الشمول الوارد في بيان جنيف، ثم حُصر في قنوات استشارية، ثم فقد جزءاً مهماً من استقلاله داخل اللجنة الدستورية، ثم بقي ليملأ فراغ التفاوض. ومع الموت السياسي للقرار 2254، تبدو الوظيفة المدنية التي نشأت في ظله في طريقها إلى الانكماش أيضاً، فيما يُعاد بناء أجسام بديلة خارج مظلته وتحت موازين النفوذ الجديدة. وهكذا لا تتجه العلاقة إلى عملية سياسية متعددة الأطراف، بل إلى مسارين منفصلين: تعاون مباشر بين الأمم المتحدة والسلطة، وتمثيل مدني تعيد أنقرة هندسته. وإذا اكتمل هذا المسار، فلن تتقلص المشاركة المدنية فحسب؛ ستُسحب آخر قناة ممأسسة تستطيع إبقاء سؤال الانتقال مفتوحاً خارج تعريف السلطة له.
تفاوض بلا طاولة
على التمييز بين المنسق المقيم ومكتب المبعوث يقوم التفاوض الصامت. تستفيد دمشق من الجهاز القطري القائم في ملفات المساعدات والتعافي وعودة اللاجئين والخدمات والتعاون المؤسسي، وتحتاج إلى المنظومة الدولية الأوسع في ملفات المفقودين والعقوبات والتمويل والسيادة والجولان، مع أن بعض هذه الملفات يقع خارج الاختصاص المباشر للأمم المتحدة. أما بقاء مكتب المبعوث فيمنع اختزال العلاقة كلها في تعاون حكومي–تقني، ويبقي السؤال السياسي مفتوحاً.
وتملك المنظومة الدولية في هذا التفاوض أوراقاً ملموسة، لكن ينبغي التمييز بين المساعدات الإنسانية وتمويل التعافي وإعادة الإعمار. ففي مؤتمره الصحفي بدمشق، قال غوتيريش إن المساعدة القائمة لا تغطي سوى نحو 20 في المئة من الاحتياجات السورية، ولم تخرج الزيارة بتعهدات تمويلية جديدة. بهذا المقياس، بقيت حصيلتها المادية محدودة مقارنة برمزيتها السياسية. لكن عجز التمويل لا يحول الإغاثة الإنسانية إلى ورقة مساومة مشروعة؛ فربطها بالشروط السياسية يتعارض مع مبادئها. أما تمويل التعافي وإعادة الإعمار والاستثمار، الذي تقرره الدول والمؤسسات المانحة، فيظل مجالاً تفاوضياً يمكن ربطه بمعايير الحكم والشمول والمشاركة.
لهذا يحاول كل طرف إعادة تعريف المكتب نفسه. تبدو دمشق راغبة في استيعاب حضوره ضمن التعاون التقني والاقتصادي والإنساني، فيما تحاول الأمم المتحدة استخدام هذا التعاون مدخلاً يبقي الشمول والمساءلة والعدالة والعملية السياسية على جدول الأعمال. تقبل السلطة بالمفردات العامة عندما ينطق بها غوتيريش، لكنها تحذفها من بياناتها. وتقبل الأمم المتحدة بأولوية التعافي والسيادة، لكنها لا تعلن انتهاء الانتقال؛ لأن قبولها الكامل بهذه السردية يعني، منطقياً، إغلاق مكتب المبعوث والاكتفاء بالمنسق المقيم.
لهذه الانتقائية سابقة كاشفة. فقد نص البيان الختامي الكامل لمؤتمر سوتشي على إنشاء لجنة دستورية تضم ممثلين عن الحكومة والمعارضة والخبراء والمجتمع المدني والمستقلين والنساء، وعلى أن يجري الاتفاق النهائي على ولايتها وتشكيلها في جنيف بمساعدة الأمم المتحدة. لكن الموقف الرسمي الذي نقلته «سانا» رحب بالنتائج وعدّد ما اعتبره مضامين البيان—السيادة ووحدة البلاد والحفاظ على الجيش ومؤسسات الدولة—من دون أن يذكر اللجنة الدستورية أو الانتخابات. لم ترفض دمشق يومها مظلة سوتشي؛ قبلتها وحذفت منها المخرج الذي يفتح الباب لدور أممي في إعادة تشكيل قواعد الحكم.
يتكرر الأسلوب اليوم بصورة شبه مطابقة. تستقبل السلطة غوتيريش وتتمسك بمواقفه بشأن السيادة والجولان والتعافي، لكنها لا تضع حديثه عن الانتقال والشمول والعدالة في روايتها الرسمية للزيارة. تغيرت السلطة، لكن بقيت التقنية نفسها: قبول الوظيفة الدولية وانتقاء لغتها بحيث لا تتحول إلى مرجعية سياسية داخلية.
هذه ليست مفاوضات على برنامج زمني أو وثيقة مشتركة، بل على اللغة والصفة والمكان: هل يوجد «مبعوث سياسي» أم مكتب تعاون؟ هل يكون المقر في جنيف أم دمشق؟ هل يستمر المجتمع المدني بوصفه مكوناً مستقلاً في العملية أم يصبح واحداً من القطاعات التابعة للسلطة؟ وهل يعني التعامل مع الحكومة الاعتراف بوظيفتها أم إقرار شرعيتها التأسيسية؟
حتى التشابه مع علاقة النظام السابق بالأمم المتحدة يظهر هنا، من دون أن يعني تطابق الحالتين. كان نظام الأسد يريد الأمم المتحدة غطاءً دولياً للتعامل معه ولإدارة المساعدات وتثبيت سيادة الدولة، لكنه كان يرفض المصطلحات السياسية التي تستخدمها المنظمة ويعيد تفسيرها أو حذفها. لذلك كان التباين بين بيانات دمشق وبيانات المبعوثين سمة دائمة.
الفرق أن النظام السابق كان يستخدم الأمم المتحدة لمقاومة العزلة والضغط، بينما تستخدمها السلطة الحالية لاستكمال اندماج دولي بدأ أصلاً بغطاء أميركي وإقليمي. الأول أراد منع المنظمة من تقويض بقاء قائم؛ أما الثانية فتريد منعها من مساءلة تأسيس جديد. لكن البنية التفاوضية واحدة: الحاجة إلى وظائف الأمم المتحدة مع رفض المعنى السياسي الذي تحاول المنظمة إرفاقه بها.
وفي هذا السياق تكتسب مقالة مارتن غريفيث الأخيرة عن سوريا قيمة كاشفة، سواء كانت تموضعاً شخصياً لمهمة المبعوث الجديد أم لا. فهي تقدم تصوراً يركز على إنقاذ الاقتصاد ورفع ما تبقى من العقوبات وتقليل مخاطر الاستثمار وبناء بيئة قانونية وإدارية جاذبة لرأس المال. وهذه احتياجات حقيقية، لكنها تكشف إغراء استبدال المهمة السياسية المعقدة بدور اقتصادي وإنساني قابل للقياس وتفضله السلطة والدول. ليست المشكلة في دعم الاقتصاد، بل في استخدامه بديلاً من الانتقال: فليس المطلوب أن تصبح سوريا آمنة لرأس المال فقط، بل أن تصبح الدولة آمنة لمواطنيها أيضاً.
ما بعد الزيارة
لم تُعِدْ زيارة غوتيريش الحياة إلى القرار 2254، ولم تحسم مستقبل مكتب المبعوث، ولم تمنح السلطة شرعية نهائية. لكنها رسمت الحدود الأولية للتفاهم الذي يحاول الطرفان الوصول إليه.
حصلت دمشق على تأكيد أممي قوي لسيادة سوريا على الجولان، وتجديد التأكيد على استمرار اتفاقية فض الاشتباك، ورفض الانتهاكات الإسرائيلية، إضافة إلى اعتراف عملي بأنها الجهة التي تمثل الدولة خارجياً وتدير مؤسساتها. لكنها لم تخرج بمكاسب مادية؛ فلم تصدر عن الزيارة تعهدات تمويلية جديدة، وظلت حصيلتها العملية رمزية سياسية أكثر منها إنجازاً تمويلياً. وحصلت الأمم المتحدة على موطئ قدم سياسي أرفع في دمشق، وعلى مساحة تسمح لأمينها العام بالحديث عن الانتقال والشمول والعدالة.
لكن هذا التفاهم غير مستقر. فإذا انتهى الأمر بمكتب في دمشق من دون مبعوث، ومن دون غرفة فاعلة لدعم المجتمع المدني أو مجلس استشاري نسوي، أو أي إطار مدني جديد، ومن دون قدرة على فتح نقاش سياسي مستقل، فلن يكون المكتب قد تكيّف مع الواقع؛ سيكون قد تخلى عن سبب وجوده. وإذا تمسكت الأمم المتحدة بالقرار 2254 كما لو أن عام 2015 ما يزال قائماً، فستحافظ على مرجعية قانونية بلا سياسة تستطيع تنفيذها.
المخرج ليس بين هذين الخيارين. المطلوب الاعتراف بأن القرار 2254 ميت سياسياً، مع التمسك ببقائه القانوني وبمضمونه بوصفه بوصلة؛ والاعتراف بأن السلطة تمثل الدولة خارجياً وتدير مؤسساتها بحكم الأمر الواقع، لكنها تبقى طرفاً سياسياً لا يمثل وحده جميع السوريين ولا تختزل الدولة فيه؛ وإعادة بناء مسار يؤدي وظائف الحوار والدستور والانتخابات، مع ربط التعافي والاستثمار وإعادة الإعمار بإطار سياسي ومؤسسي يضمن مشاركة السوريين بدلاً من استخدام الاقتصاد بديلاً من السياسة.
أظهرت زيارة الجولان لماذا لا تزال سوريا بحاجة إلى المظلة الدولية: فموازين القوة قد تغير الأرض، لكن الأمم المتحدة تستطيع إبقاء الحق والمرجعية قائمين. والسؤال هو ما إذا كانت المنظمة ستستخدم الحاجة نفسها داخل سوريا للحفاظ على حق السوريين في انتقال سياسي شامل، أم ستكتفي بتثبيت الواقع الذي أنتجته القوة.
فالانتقال لا يكتمل بسقوط نظام أو بصعود سلطة، ولا بإعادة فتح السفارات أو تدفق الاستثمارات. ومهما تغيرت أسماء القرارات والوسطاء والآليات، لا يستطيع أحد ادعاء اكتماله قبل حوار حقيقي يشارك فيه السوريون، ودستور يقيد السلطة ولا تملكه، وانتخابات تمنح المواطنين حق اختيارها ومحاسبتها. من دون ذلك يبقى السوريون محكومين بنتائج الحرب، لا مشاركين في تأسيس الدولة؛ وتبقى الأمم المتحدة مطلوبة لوظائفها، وتبقى شرعية المرحلة معلقة على سؤال لم تحسمه زيارة غوتيريش: من يملك حق تعريف مستقبل سوريا؟









