When Concepts Are Hijacked
Reconciliation and Civil Peace as Tools of a Zero-Sum Equation
“Reconciliation” and “civil peace” once meant moving from the logic of force to the logic of politics. In Syria, both have been emptied out. Under the old regime, “reconciliations” were military settlements in civilian language. Today, “civil peace” is offered as a call to turn the page without recognition or accountability. Urgent humanitarian arrangements are necessary, but they are not peacebuilding. A peace that demands silence produces hidden division and pushes people toward extremism. The alternative links truth, graduated accountability, institutional reform and guarantees of non-recurrence.
لم تكن “المصالحة” ولا “السِّلم الأهلي” في أصل معناهما مفاهيم مثيرة للريبة. على العكس، تحملان في جوهرهما الانتقال من منطق الغلبة إلى منطق السياسة، ومن إدارة الصراع بالقوة إلى تنظيمه بالقانون، ومن العداء المفتوح إلى التوافق. لكن المفاهيم، مثل المؤسسات تماماً، يمكن أن تُعاد هندستها سياسياً، فيُفرَّغ مضمونها ويُختطف معناها، لتبقى مجرد عناوين تُستخدم حيث ينبغي أن تُبنى مسارات.
في التجربة السورية السابقة، لم تكن “المصالحات” مساراً لإعادة بناء العلاقة بين المجتمع والدولة، بل تسويات عسكرية بلغة مدنية. جرى تثبيت السيطرة، وإعادة توزيع المقاتلين، وضبط الجغرافيا، وبناء أسوار غير مرئية بين السوريين، من دون أي مقاربة سياسية تعيد الأمل للناس أو تسمح لهم بتخيّل حياة جديدة في وطن مشترك. وهكذا تحوّل المفهوم من عملية اجتماعية–سياسية إلى إجراء أمني، ومن مشروع إعادة تأسيس إلى إدارة مؤقتة وهشّة لميزان قوة مختل.
اليوم يُعاد استدعاء “السِّلم الأهلي” في سياق مختلف ظاهرياً، لكنه يواجه المأزق ذاته حين يُطرح بوصفه دعوة إلى تجاوز الماضي من دون اعتراف، أو إلى طيّ الصفحة من دون مساءلة. الرسالة التي يتلقاها الناس هنا ليست خطابية، بل وجودية: إذا أردتم الحياة، عليكم تأجيل العدالة، وربما نسيانها بالكامل باسم الاستقرار، ويمكن اختصار الكرامة في الحد الأدنى من معادلة الأمن.
من الطبيعي، بل من الضروري، أن يكون هناك مسار إسعافي يتعلّق بالخدمات، وتأمين الحياة اليومية، وفك الحصار عن المناطق، وإدخال الطعام، وتبادل الأسرى والمخطوفين، وتأمين الناس من الصراع المسلح. هذه كلها خطوات إنسانية عاجلة، لا غنى عنها. لكنها — مهما بلغت أهميتها — لا تعادل خطوة أولى في مسار بناء السلام، ولا يمكن إقناع الناس بأنها هي “السِّلم الأهلي” أو “المصالحة”.
هذه ترتيبات مؤقتة لضمان البقاء.
أما بناء السلام فهو شيء آخر تماماً.
الفرق بين الاثنين يشبه الفرق بين حلٍّ تقني لأزمة طارئة، ومسار تاريخي لإعادة تأسيس المجتمع. يشبه الفرق بين معالجة العرض ومعالجة المرض. أو — إذا أردنا استعارة فنية — بين رسومات طفلة في الصف الثالث، ولو كانت صادقة، وبين لوحات غويا التي تواجه العنف في عمقه وتضعه أمام ضمير العالم. كلاهما رسم، لكن المسافة بينهما ليست في المهارة فقط، بل في الوعي، وفي القدرة على تسمية المأساة.
حين يُختزل السِّلم في ترتيبات أمنية، لا يُنتج سلاماً، بل انقساماً صامتاً مؤقتاً، ويُبقي جمر الحقد تحت رماد الهدوء الظاهري. وعندما يشعر الإنسان أن التوافق يعني التخلي عن حقه في الحياة الكريمة، وأن المصالحة تعني إكرام المفسدين وإذلال المظلومين، فإنه يرفض أي مساحة وسطى. التطرف هنا لا ينشأ من فائض أيديولوجيا ولا من مؤامرة خارجية، بل من اقتناع فطري بعدم إمكان تحقيق العدالة داخل التسوية المطروحة.
ومع ذلك، فإن البديل عن اتفاق قسري مشروط بالصمت ليس حرباً مفتوحة ولا عدالة انتقامية. العدالة التي تُفصل عن أفق سياسي قابل للحياة تنزلق إلى منطق ثأري، كما أن السِّلم الذي يتجاهل المساءلة يتحول إلى قهر مؤجل. المسار الحقيقي يربط بين الاعتراف بالحقيقة، ومساءلة متدرجة تميّز بين المسؤولية الفردية والجماعية، وإصلاح مؤسساتي يمنع تكرار الانتهاك، وضمانات واضحة تقول للناس: لن يحدث هذا مرة أخرى.
المجتمعات لا تنهار لأنها خاضت حرباً، ولا لأنها اختلفت على رواية الماضي — فالحروب وتعدد الروايات جزء من طبيعة التاريخ. الانهيار يبدأ حين يفقد المخيال السياسي القدرة على تخيّل تسوية يمكن العيش داخلها من دون إنكار الذات أو التضحية بالكرامة. ويتكرّس حين يصبح الشعور بالذل ثمناً للاستقرار. عندها لا يبقى شيء حقيقي يمكن الدفاع عنه.
السِّلم الحقيقي لا يُبنى بإسكات الجراح، بل بالاعتراف بها، ووضعها في إطار سياسي يضمن ألّا تتحول مرة أخرى إلى وقود لصراع جديد
Francisco de Goya – Corrida de toros
Francisco Goya – Bullfight
فرانسيسكو غويا – مصارعة الثيران
السِّلم الأهلي والمصالحة، كما يُقدَّمان للناس اليوم،
هما أن يُؤتى بك إلى حلبة صراع،
ويُطلب منك الصمت والوقوف،
وتلقّي الطعنات باسم بناء السلام.
هذا النوع من السلام ليس مرحلة انتقالية.
هو شكل “متحضّر” من الإذلال المنظّم.



