جزء أساسي من طبيعة حكم الفصائل هو الفوضى العسكرية والمجتمعية. صراعات مسلحة، مظاهرات واحتجاجات، صفقات تجارية وعمليات تهريب، ولاءات تنتقل من جهة إلى أخرى، أشخاص يذهبون إلى أعمالهم ويعودون أو لا يعودون، احتفالات ومآتم، وتناقضات لا تنتهي. أمام هذا المشهد، يبدو وكأن السلطة تعيش حالة انهيار دائم، وأن سقوطها ليس سوى مسألة وقت.
هذه هي القراءة التي يصل إليها من يحلل المشهد بعقلية الدولة المركزية، حيث يُفترض أن تراجع السيطرة، وتعدد مراكز القوة، وغياب القرار الحاسم، كلها مؤشرات على ضعف السلطة واقتراب نهايتها. لكن هذا الاستنتاج يفترض منذ البداية أننا أمام دولة تمر بأزمة، بينما قد تكون المشكلة أن السلطة القائمة لا تعمل بمنطق الدولة أصلاً، وإنما وفق قواعد مختلفة لإنتاج السلطة والحفاظ عليها.
لهذا لا تبدو الفوضى هنا مجرد أثر متبقٍ من الحرب، ولا مرحلة انتقالية ستختفي تلقائياً مع مرور الزمن، بل جزءاً من البيئة التي يعمل فيها هذا النموذج. فهي تمنحه مرونة في إدارة التوازنات، وتسمح بتوزيع المسؤوليات، وتأجيل القرارات الحاسمة، والإبقاء على مساحات واسعة للمناورة في مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية. وما يبدو من منظور الدولة عجزاً عن السيطرة قد يكون، من منظور هذا النموذج، إحدى الآليات التي تضمن استمراره.
ويكمن الفرق الجوهري في أن الدولة لا تحتكر استخدام القوة فحسب، بل تحتكر أيضاً المسؤولية عن المجال الذي تدّعي حكمه. فكل ما يقع داخل هذا المجال، سواء كان نتيجة قرار اتخذته أو نتيجة عجزها عن المنع، يُنسب إليها في النهاية. ولذلك لا تستطيع الدولة أن تتعامل مع الانتهاكات، أو الجماعات المسلحة، أو الاعتداء على البعثات الدبلوماسية، أو انهيار الأمن، باعتبارها أحداثاً تقع خارج مسؤوليتها، لأن السيادة لا تمنح حق اتخاذ القرار فقط، بل تفرض تحمل نتائجه أيضاً.
أما هذا النموذج من السلطة فيعمل وفق منطق مختلف. فهو يستفيد من بقاء المسؤولية موزعة بين مستويات متعددة، ومن استمرار الحدود الضبابية بين القرار المركزي والفاعلين المحليين، لأن هذه الضبابية تمنحه هامشاً لا تستطيع الدولة امتلاكه. ومن هنا يمكن فهم الغموض الذي يطبع كثيراً من الخطابات السياسية في مثل هذه التجارب؛ فهو ليس دائماً تعبيراً عن نقص في الرؤية أو مجرد أسلوب تفاوضي، بل انعكاس لحاجة بنيوية إلى تأجيل الحسم، لأن كل موقف نهائي يعيد توزيع القوة داخل النظام، ويفرض مسؤوليات قد لا تكون بنيته قادرة على تحملها.
وقد يُقال إن هذه السمات كلها مؤقتة، وإن أي سلطة تخرج من حرب أهلية تحتاج إلى سنوات قبل أن تتمكن من بناء دولة. كما يمكن القول إن تفكيك الجماعات المسلحة لا يتم دفعة واحدة، وإنما عبر مسار تدريجي تنتهي فيه السلطة إلى تحييد جميع مراكز القوة المنافسة حتى يصبح السلاح محتكراً بيدها. وهذه حجة تستحق النقاش، لكنها لا تمس جوهر المشكلة.
فالسؤال ليس كم من الوقت تحتاجه السلطة، ولا كم مركز قوة استطاعت إنهاءه، بل ما إذا كانت قواعد إنتاج السلطة نفسها تتغير. فالإرث الثقيل للحروب، ودمار البنية التحتية، وانهيار الإدارة، كلها تفسر صعوبة البداية، لكنها لا تحدد اتجاه إعادة البناء. والتمييز الضروري هنا هو بين سلطة تستخدم المرحلة الانتقالية لبناء مؤسسات تتجاوز منطق الولاء، وسلطة تستخدمها لإعادة إنتاج المنطق نفسه داخل مؤسسات جديدة.
ولهذا فإن اختفاء الجماعات المسلحة أو اندماجها في هياكل رسمية لا يمثل، في حد ذاته، دليلاً على الانتقال إلى الدولة. فقد تنجح السلطة في القضاء على جميع القوى المنافسة، وأن تحتكر السلاح عملياً، من دون أن تكون قد غادرت المنطق الذي نشأت منه. فإذا بقي معيار الثقة، والتجنيد، والترقي، واتخاذ القرار قائماً على الولاء للشبكة الحاكمة أو على الغلبة، فإن ما يتغير هو توزيع القوة داخل النظام، لا طبيعة النظام نفسه. وقد تختفي التنظيمات القديمة بأسمائها، لكن القاعدة التي أنتجتها تستمر في العمل داخل مؤسسات تحمل أسماء الدولة.
ويظهر ذلك بأوضح صورة في المؤسسة العسكرية. فالجيش الوطني لا يُعرَّف باسمه، ولا بزيه، ولا بتبعيته الشكلية لوزارة الدفاع، وإنما بالقاعدة التي يُبنى عليها. فإذا كانت المؤسسة العسكرية تعيد إنتاج معايير الولاء التي قامت عليها السلطة، فإنها قد تصبح أكثر تنظيماً وانضباطاً، لكنها لا تتحول بالضرورة إلى جيش وطني. فالجيش الوطني يحتكر السلاح باسم الدولة، لا باسم الجماعة التي أسسته، ويستمد شرعيته من المواطنة والقانون، لا من شبكة الولاءات التي تحمي النظام.
ولا يقف الأمر عند الجيش. فالقضاء، والأجهزة الأمنية، والإدارة العامة، والخدمة المدنية، تخضع جميعها للاختبار نفسه. فالمؤسسات لا تصبح مؤسسات دولة لأنها تحمل أسماء الدولة، بل لأنها تعمل وفق قواعد تختلف عن القواعد التي أنتجت السلطة. ولذلك فإن توسيع المؤسسات أو تحسين أدائها لا يكفي إذا بقي معيار الولاء هو الذي يحدد الثقة والقرار وتوزيع النفوذ.
وهنا يصبح الخلاف الحقيقي أعمق من مجرد تقييم أداء حكومة أو نقد سياسات مرحلة انتقالية. فالسؤال الذي يحدد مستقبل أي تجربة من هذا النوع ليس ما إذا كانت أكثر استقراراً من الفوضى التي سبقتها، ولا ما إذا كانت تحقق بعض التحسن مقارنة بالإرث الذي ورثته، وإنما ما إذا كانت تغيّر قواعد إنتاج السلطة نفسها. فإذا بقيت هذه القواعد قائمة على الغلبة وشبكات الولاء، فإن المؤسسات الجديدة، مهما توسعت ومهما اكتسبت من كفاءة، ستعيد إنتاج المنطق ذاته بأشكال أكثر تنظيماً.
لذلك، عندما نرى غداً صراعاً جديداً، أو ولاءً يتغير، أو جماعة تُحل لتحل محلها جماعة أخرى، أو خطاباً يؤجل الحسم مرة جديدة، فقد يكون الخطأ أن نتعامل مع ذلك بوصفه دليلاً على أن مشروع الدولة يتعثر. وربما يكون الأدق أن نسأل سؤالاً آخر: هل تغيرت القاعدة التي تُنتج السلطة؟ فإذا بقيت هذه القاعدة على حالها، فلن تكون تلك الوقائع استثناءات تعطل مسار الدولة، بل مظاهر متجددة للنظام نفسه. وعندها تصبح الفوضى، بكل أشكالها، ليست علامة على أن هذا النموذج لم يكتمل بعد، وإنما علامة على أنه يعمل كما صُمم له أن يعمل.
#سوريا_لك_السلام.
في العجلة العملاقة (La Grande Ruota / The Giant Wheel) من سلسلة السجون المتخيلة (Carceri d'Invenzione / Imaginary Prisons)، يصوّر جيوفاني باتيستا بيرانيسي (Giovanni Battista Piranesi) عالماً يبدو في حركة دائمة، لكن بنيته نفسها لا تقود إلى مخرج.
Giovanni Battista Piranesi (جيوفاني باتيستا بيرانيسي)
La Grande Ruota (The Giant Wheel / العجلة العملاقة)
من سلسلة Carceri d’Invenzione (Imaginary Prisons / السجون المتخيلة)
حفر مائي ونقش (Etching & Engraving)، نحو 1749–1750 (أعيد نشرها عام 1761)
The Metropolitan Museum of Art, New York



