أخطر ما تتركه الأنظمة السلطوية وراءها ليس السجون، ولا الأجهزة الأمنية، ولا حتى القوانين التي سنّتها، بل النماذج التي تغرسها في الوعي الجمعي. فالمجتمعات لا تتعلم السياسة من الكتب بقدر ما تتعلمها من التجارب التي تعتقد أنها نجحت. ولهذا فإنها لا تحتفظ في ذاكرتها بالأفكار وحدها، بل تحتفظ بالنماذج التي استطاعت تغيير موازين القوة وفرض الوقائع، وتتوارثها جيلاً بعد جيل، حتى عندما ترفضها أخلاقياً أو سياسياً. والمقصود بالنجاح هنا ليس النجاح الأخلاقي أو الديمقراطي، بل النجاح بمعناه السياسي المجرد؛ أي القدرة على الإمساك بالقوة والاحتفاظ بها. وليست هذه خصوصية سورية، لكنها في سوريا تبدو أكثر وضوحاً بسبب طول عمر النظام السابق، وعجز النماذج البديلة عن ترسيخ مرجعية سياسية مختلفة.
وفي سوريا، لم يرث السوريون نموذجاً واحداً، بل نموذجين متوازيين.
أولهما نموذج السلطة. فعلى امتداد أكثر من نصف قرن، لم يحكم حافظ الأسد سوريا فحسب، بل أعاد تعريف معنى السلطة في الوعي السوري. فلم يعد الأمر يتعلق بشخص، بل بصورة مكتملة للحاكم الناجح؛ سلطة تحتكر المجال العام، وتعيد تشكيل المجتمع، وتختار البرلمان، وتصنع النخب، وتحدد من يتصدر الإعلام، وتدير الأجهزة الأمنية، وتمسك بخيوط الداخل والخارج في آن واحد. ومع مرور الزمن، لم يعد هذا مجرد أسلوب للحكم، بل أصبح القالب الذي تُقاس به السلطة نفسها.
لهذا لا يبدو مستغرباً أن يكون الطموح العميق، وربما غير الواعي، لدى كثير ممن وصلوا إلى السلطة اليوم هو استعادة تلك القدرة نفسها على السيطرة. إنهم يحاولون تقليد النموذج الذي يعرفونه، لكن بأدوات أقل كفاءة، وشرعية أضعف، وإمكانات أكثر هشاشة، كما لو أنها محاولة لخوض نهائي كأس العالم بفريق حارة؛ من دون ملعب، ولا جمهور، ولا تاريخ، ولا مؤسسات.
ولم يقتصر الأمر على المؤسسات، بل امتد إلى تفاصيل السلوك نفسه. أتذكر ما رواه كثير من أصدقاء الغوطة في السنوات الأولى لسيطرة الفصائل المسلحة عليها. كانوا يقولون إن بعض العناصر، بمجرد أن أقاموا الحواجز، بدأوا يرتدون النظارات السوداء، ويتحدثون بالقاف الجبلية، رغم أنهم أبناء الغوطة. لم تكن القضية في اللهجة، بل في تقمص صورة السلطة كما استقرت في المخيلة السورية؛ فالهيبة أصبحت تُفهم باعتبارها شكلاً وصوتاً وهيئة قبل أن تكون شرعية أو قانوناً. لم تكن تلك محاولة لبناء سلطة جديدة، بل محاولة رديئة لتقليد سلطة قديمة.
وربما لهذا فهمت لاحقاً ما قصده صديق أمضى سنوات طويلة بين السجن والتخفي والمنفى بسبب معارضته لحافظ الأسد عندما قال لي: “لم أتخيل يوماً أن أصل إلى مرحلة أشعر فيها بالدونية وأنا أعارض هذا القدر من الرداءة.” فهو لم يكن يحن إلى النظام السابق، ولم يكن يقارن بين سلطتين، بل كان يصف شعوراً مختلفاً؛ شعور الإنسان الذي أمضى عمره في مواجهة سلطة مكتملة البنية، ليجد نفسه اليوم أمام محاولة رديئة لاستنساخها. فحتى من يرفض الاستبداد قد يبقى، من حيث لا يشعر، يقيس السلطة بالنموذج الذي صنعه الاستبداد.
لكن السلطة ليست وحدها التي تركت نموذجاً ورثه السوريون. المعارضة أيضاً فعلت ذلك. فالمعارضة السياسية السورية، بكل مدارسها القومية واليسارية والليبرالية، قدمت شخصيات وطنية وتجارب فكرية مهمة، لكنها لم تستطع تغيير موازين القوة. أما النموذج الذي استقر في الذاكرة السياسية بوصفه النموذج القادر على فرض الوقائع، فكان نموذج التنظيم العقائدي المسلح؛ من الإخوان المسلمين والطليعة المقاتلة، وصولاً إلى الفصائل المسلحة ثم هيئة تحرير الشام. وقد اكتسب هذا النموذج، في التجربة السورية، طابعاً طائفياً متزايداً مع تطور الصراع، حتى أصبح هذا البعد جزءاً من صورته في الذاكرة السياسية السورية. أما النموذج المدني، القائم على الأحزاب والعمل السياسي التراكمي والتنافس الانتخابي، فلم يتحول في الوعي السوري إلى نموذج نجاح، لأنه لم ينجح في تغيير موازين القوة. فبقي حاضراً في الخطاب، وغائباً عن المخيلة السياسية.
وهكذا لم يرث السوريون نموذجاً واحداً “للنجاح”، بل نموذجين مختلفين. فإذا اقترب أحدهم من السلطة، استعاد النموذج الذي يعرفه عن السلطة. وإذا اقترب من المعارضة، استعاد النموذج الذي يعرفه عن المعارضة. ولذلك لا نكاد ننتج خيالاً سياسياً جديداً، بقدر ما نعيد إنتاج النماذج التي رسخت في ذاكرتنا.
وربما كان هذا هو الانتصار الأعمق لأي نظام سلطوي؛ فهو لا يورث المجتمع مؤسساته فقط، بل يورثه أيضاً الطريقة التي يقيس بها السلطة، والطريقة التي يتخيل بها المعارضة. وهنا تكمن المعضلة السورية الأعمق. فالأزمة ليست فقط في السلطة، ولا فقط في منطق المعارضة، بل في أن كليهما ما يزال يتحرك داخل النماذج التي ورثها. أحدهما يحاول إعادة إنتاج أكثر نماذج السيطرة نجاحاً في التاريخ السوري الحديث، والآخر يستدعي أكثر نماذج تغيير موازين القوة حضوراً في ذاكرته، بينما يغيب النموذج الثالث.
وهذا النموذج الثالث ليس تسوية بين النموذجين، ولا منطقة وسطى بينهما، بل قطيعة معهما معاً؛ دولة لا تُبنى على تدجين المجتمع، ولا على احتكار القوة، بل على مجتمع حر يختار ممثليه، وسلطة تستمد شرعيتها من التمثيل والتداول وسيادة القانون، لا من القدرة على الإخضاع أو الغلبة.
ما لم ينجح السوريون في إنتاج هذا النموذج الثالث، فلن يغادروا الماضي، بل سيواصلون التنقل بين نموذج يختزل السياسة في السيطرة على المجتمع، فيُنتج “مجلس الشعب”، ونموذج يختزلها في السيطرة على القوة، فيحلم بإنتاج “الطليعة المقاتلة”.
#سوريا_لك_السلام
“أخطر السجون تلك التي ندور فيها دون أن نغادرها”.
Le Rond des Prisonniers · Prisoners’ Round · دائرة السجناء
Vincent van Gogh · فنسنت فان غوخ
1890
Oil on canvas · لوحة زيتية على قماش
After Le Nouveau Bagne by Gustave Doré
Pushkin State Museum of Fine Arts



