Israel Revealed by the Elections (1)
On the Questions That Changed Behind the Same Words
Israel’s election on 27 October 2026 is easy to read as another round in the long contest over Benjamin Netanyahu. This opening piece of a series reads it differently. The campaign repeats the words of a decade ago: security, the state, the army, the Arabs. But the questions these words carry inside Israeli society have changed. Two shifts stand out: a growing share of political conflict now takes place within the right itself, between a communal-populist and a statist model of the state, and Arab citizens are pushing to enter the state and its institutions as partners in power.
من السهل قراءة الانتخابات الإسرائيلية المقررة في السابع والعشرين من أكتوبر بوصفها جولة جديدة، وربما حاسمة، في الصراع الطويل حول بنيامين نتنياهو: هل يحتفظ بالحكم بعد أطول حرب تخوضها إسرائيل منذ قيامها؟ هل يستطيع خصومه جمع واحد وستين مقعداً؟ ومن سيمتلك مفتاح الائتلاف المقبل؟ وهذه أسئلة مهمة بالتأكيد. فالانتخابات هي الأولى منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023، وتأتي بعد ثلاث سنوات امتدت فيها الحرب من غزة إلى لبنان وإيران، وبعد انقسام حاد حول القضاء والمؤسسات وتجنيد الحريديم. ونتنياهو يحاول مرة أخرى استعادة صورته بوصفه الرجل القادر على حماية إسرائيل، لكنه يواجه هذه المرة غادي آيزنكوت، رئيس الأركان السابق الذي صار منافسه الانتخابي الرئيسي، فيصبح احتكاره التقليدي للحديث باسم الأمن أصعب من أي وقت مضى.
لكن من يتابع إسرائيل من الخارج قد يسمع في هذه الحملة الكلمات نفسها التي سمعها قبل عشر سنوات: الأمن، والدولة، والجيش، والعرب. الكلمات بقيت، أما الأسئلة التي تحملها داخل المجتمع الإسرائيلي فتغيرت، وصارت الكلمة الواحدة تحمل أحياناً أسئلة متعارضة. والانتخابات أفضل مكان لسماع هذا الاختلاف، لأنها اللحظة التي يضطر فيها كل طرف إلى قول ما يريده من الدولة. ومن خلف ضجيج المقاعد تظهر ملاحظتان تقود إليهما هذه القراءة. الأولى أن جزءاً متزايداً من الصراع السياسي يجري اليوم داخل المجال اليميني والقومي نفسه، أكثر مما يجري بين اليمين واليسار بالمعنى القديم. يدور هذا الصراع بين نزعة شعبوية جماعاتية ترى الدولة تحالفاً بين جماعات تحتفظ كل منها بحصتها ونفوذها، ونزعة دولتية تعطي الأولوية للمؤسسة والمحاسبة وتقاسم الأعباء، وترى في الدولة ضمانة الوجود. والثانية اندفاع المواطنين العرب نحو الدخول في الدولة ومؤسساتها، في اللحظة نفسها التي يتردد فيها جزء واسع من المجال اليهودي في قبولهم شركاء في إنتاج السلطة.
قراءة هذا المجتمع من الداخل لا تعني تبني سرديته عن نفسه، ولا تغيّر شيئاً في الموقف من الاحتلال ومن حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم. ولا تفصل هذه القراءة الانتخابات عن الذين تقع عليهم نتائجها قبل غيرهم، وهم لا يصوّتون فيها: أهل غزة الخارجون من حرب قتلت عشرات الآلاف منهم، وأهل الضفة الذين يجدون الضم مطروحاً في برامج قوى سياسية تشارك في الحكم. الفهم ليس تطبيعاً مع موضوعه، والحكم عليه لا يعفينا من فهمه. وهذا الفهم ضروري تحديداً لأن ما يجري داخل إسرائيل لن يبقى داخلها، وسيحدد جزءاً من مستقبل الفلسطينيين ودول المنطقة ومجتمعاتها في السنوات المقبلة.
قد يعترض البعض بأن هذه الأسئلة أقدم من السابع من أكتوبر. فالصراع على القضاء ملأ شوارع إسرائيل طوال عام 2023، وأزمة تجنيد الحريديم ترافق الدولة منذ عقود، والقائمة العربية الموحدة دخلت الائتلاف الحاكم عام 2021. والاعتراض صحيح في نصفه؛ فالسابع من أكتوبر وجد هذه الأسئلة قائمة، فغيّر أوزانها ورفع كلفتها. يقول 68 في المئة من اليهود الإسرائيليين إن أحداث ذلك اليوم عامل مركزي في تحديد تصويتهم، ويمنحها ناخبو اليسار والوسط وزناً أكبر مما يمنحها ناخبو اليمين. أي أن الحدث الذي يفترض كثيرون أنه يوحّد الإسرائيليين حول الأمن صار عند جزء منهم مدخلاً إلى سؤال آخر.
من ينازع اليمين اليوم على تعريف نفسه؟ لعقود كان اليسار هو الجواب البديهي، حين كان الخلاف الإسرائيلي الكبير يدور حول الأرض والتسوية والدولة الفلسطينية. أما المنافس الانتخابي الأبرز لنتنياهو اليوم فيأتي من رئاسة الأركان، ويقف إلى جانب آيزنكوت في معارضة نتنياهو سياسيون خرجوا هم أيضاً من قلب المجال اليميني، مثل نفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان. غير أن هذه المعارضة لا تشكل معسكراً واحداً: آيزنكوت رفض خوض الانتخابات شريكاً أصغر في قائمة مشتركة مع بينيت، وليبرمان يرفض المشاركة في أي حكومة تعتمد على القائمة الموحدة. والخلاف الذي يظهر داخل هذا المجال يتجاوز الأرض إلى نموذج الدولة نفسها. فهناك دولة تتركز فيها السلطة التنفيذية حول القيادة السياسية وتحالف جماعات تحتفظ كل منها بمصالحها وامتيازاتها، وهناك دولة تعطي وزناً أكبر للمؤسسات والمحاسبة وتقاسم العبء. ولا يتوزع الأشخاص والأحزاب بين النموذجين توزعاً نقياً؛ ما تكشفه الانتخابات هو صراع متزايد بين منطقين للدولة، داخل مساحة سياسية صارت أكثر يمينية وقومية مما كانت عليه قبل عقود.
ويظهر هذا الانقسام أوضح ما يظهر في كلمة «الأمن». في اليمين ما زال الأمن يعني إلى حد بعيد ما عناه دائماً، وما زالت السياسة الخارجية والأمن العامل الأول في قرار التصويت: كيف تستعيد إسرائيل الردع، وكيف تمنع تكرار الهجوم. أما في الوسط فيتقدم الاقتصاد ثم التجنيد، ويتراجع الأمن والسياسة الخارجية إلى المرتبة الرابعة. قد يقرأ البعض ذلك تراجعاً في الاهتمام بالأمن، وثمة قراءة أخرى ممكنة: أن سؤال الأمن انتقل عند جزء من الوسط من كيف تكون الدولة أقوى، إلى كيف فشلت دولة تملك واحداً من أقوى الجيوش وأجهزة الاستخبارات في المنطقة في حماية مواطنيها، ومن يتحمل المسؤولية، وأي دولة تستطيع منع التكرار. والنقاش الإسرائيلي نفسه يقترب من هذه الصياغة؛ فـالمعهد الإسرائيلي للديمقراطية يضع أمام الحكومة المقبلة سؤالاً يتجاوز كيف تستخدم إسرائيل قوتها، إلى من يتخذ القرار، وبأي آليات، وتحت أي مساءلة.
والتجنيد مثال على الكلمة التي بقيت وتغير معناها. كان إعفاء طلاب المدارس الدينية الحريدية من الخدمة العسكرية تسوية قديمة بين الدين والدولة، تتجدد أزمتها كلما احتاجت الحكومة إلى الأحزاب الحريدية أو اصطدمت ترتيبات الإعفاء بالقضاء. ثم جاءت حرب طويلة قضى فيها جنود الاحتياط فترات طويلة ومتكررة في الخدمة، وازداد احتياج الجيش إلى القوى البشرية، فصار الإعفاء سؤالاً عن المواطن نفسه: ما الذي يدين به لدولة يطالبها بحصة كاملة من مواردها وتحميه؟ وهو سؤال يمس فكرة «جيش الشعب» التي قامت عليها صورة الجيش في إسرائيل. وعند هذا السؤال يلتقي اتجاهان داخل المجال اليميني وجهاً لوجه: الأحزاب الحريدية في قلب تحالف نتنياهو، وفي المقابل قوى معارضة يمينية ووسطية تجعل تقاسم عبء الخدمة جزءاً من تصورها لإعادة بناء الدولة بعد السابع من أكتوبر.
أما عند المواطنين العرب فتتحرك الأسئلة في اتجاهين متعاكسين. يسأل جزء كبير منهم اليوم كيف يدخلون الحكومة، وقد صار تأييد مشاركة حزب عربي في الائتلاف المقبل رأي أكثر من ثلاثة أرباعهم، إلى جانب ميل واسع إلى الشراكة السياسية العربية اليهودية. ويبقى هذا الاندفاع مشروطاً بموقف سياسي واضح من حقوق الفلسطينيين وحقهم في دولتهم. المواطنون العرب يطلبون الدخول إلى الدولة التي يعيشون فيها، ويحتفظون بموقفهم من الدولة التي لم تقم بعد.
وفي الجهة الأخرى عادت لجنة الانتخابات المركزية، التي يتشكل معظمها من ممثلي الأحزاب، إلى سؤال أقدم يعود مع كل انتخابات تقريباً: هل يحق للأحزاب العربية أن تكون على ورقة الاقتراع أصلاً؟ ففي الثالث والعشرين من سبتمبر صوّتت اللجنة على استبعاد القائمتين العربيتين، الموحدة والقائمة المشتركة، استجابة لطعون قدمها الليكود و«عوتسما يهوديت» وغيرهما، وانضم حزب ليبرمان من المعارضة إلى التصويت ضد الموحدة. ثم ألغت المحكمة العليا مطلع أكتوبر القرارين، وأعادت القائمتين إلى ورقة الاقتراع. حكم المحكمة يحسم الأهلية القانونية، لكنه يترك التناقض الأعمق قائماً: هل يقبل المجال السياسي اليهودي أن تتحول مواطنة العرب من حق في التمثيل إلى حق في الشراكة في إنتاج السلطة؟
وفي القضية الفلسطينية يأخذ التحول شكلاً ثالثاً. لم يعد السؤال ما موقف الإسرائيليين من الفلسطينيين، بل لماذا لم تعد هذه القضية قادرة وحدها على تنظيم الانقسام السياسي كما فعلت لعقود. فهي ما زالت تقسم الناخبين بحدة، وما زالت الحدود والاستيطان والضم والدولة الفلسطينية تفرق بين أجزاء واسعة من الائتلاف والمعارضة، لكنها لم تعد تنتج الثنائية القديمة بين معسكر سلام ومعسكر يمين. فقيادات رئيسية في المعارضة لا تخوض الانتخابات على برنامج يقوم على الدولة الفلسطينية، ونتنياهو يستخدم القضية لتعبئة قاعدته وتصوير الانتخابات مواجهة على هوية الدولة وأمنها. وهكذا تراجعت فلسطين بوصفها المنظِّم الوحيد للحياة الحزبية اليهودية، من دون أن تتراجع بوصفها محدداً لمستقبل الدولة، ولا لحياة الفلسطينيين الذين يعيشون تحت سيطرتها في غزة والضفة.
ثم ينتقل السؤال الإقليمي من خارج إسرائيل إلى داخلها. حملت اتفاقات أبراهام فكرة عزيزة على اليمين الإسرائيلي، هي أن إسرائيل تستطيع الاندماج في المنطقة من دون انتظار حل القضية الفلسطينية. وبعد السابع من أكتوبر صار السؤال أكثر تعقيداً: أي إسرائيل تستطيع تحقيق هذا الاندماج، وما القيود التي تفرضها طبيعة الدولة وسياساتها تجاه الفلسطينيين واستخدامها للقوة على هذا المشروع؟ والمسألة تتجاوز الخليج إلى الجوار المباشر، حيث ترتبط العلاقة مع سوريا ولبنان بأسئلة الحدود والوجود العسكري والردع، من احتلال أجزاء من الجنوب السوري إلى الوجود العسكري في جنوب لبنان. وهنا تجد المنطقة نفسها أمام سؤال يسبق سؤال التطبيع: أي تصور للحدود والقوة والسيادة تحمله إسرائيل التي تطلب من جيرانها إقامة العلاقات معها؟
ولا تكفي استطلاعات الرأي الحالية للجزم بشكل الحكومة المقبلة. فهي تعطي توزيعات متباينة للمقاعد، وتلتقي على أن أياً من الكتلتين الرئيسيتين لا يملك حتى الآن طريقاً بسيطاً إلى أغلبية الواحد والستين، فيما تزيد مسألة الأحزاب العربية وتعقيدات التحالفات داخل المعارضة واليمين صعوبة تحويل المقاعد إلى ائتلاف حاكم. ولهذا تفيد الاستطلاعات في فهم تحولات المزاج السياسي أكثر مما تفيد في التنبؤ بمن سيشكل الحكومة.
وإذا كانت الأرقام لا تكفي لمعرفة الفائز، فهي تكفي لطرح سؤال آخر: ما الذي يتغير في المجتمع الذي يقف خلفها؟ من هذا السؤال جاءت فكرة هذه السلسلة. ستبدأ كل مادة فيها من حزب أو مرشح أو قضية في الحملة، ثم تحاول الذهاب خطوة أبعد: من الانتخابات إلى المجتمع الذي ينتجها، ومن الموقف السياسي إلى السؤال الذي تغير خلفه. ستقرأ الصراع داخل المجال اليميني، والتجنيد بوصفه اختباراً للعقد الاجتماعي، ونموذجي الدولة اللذين يظهران في الصراع حول نتنياهو وآيزنكوت، وتحولات المواطنين العرب بين التمثيل والشراكة، وموقع القضية الفلسطينية بعد تراجع اليسار، ثم العلاقة التي يمكن أن تبنيها إسرائيل المتشكلة مع محيطها. فالغاية استخدام الانتخابات نافذة على التحولات الأبطأ، تلك التي قد تبقى بعد ذهاب هذه الحكومة أو مجيء غيرها.
وخلف هذه الأسئلة كلها سؤال يجمعها: ماذا يحدث لمجتمع صار اليمين فيه المجال السياسي الأوسع، وانتقل جزء متزايد من الصراع إلى داخله؟ قد تبقى كلمات الحملة مألوفة: الأمن، والجيش، والدولة، والعرب، والفلسطينيون. لكن الأسئلة التي تختبئ خلف هذه الكلمات تغيرت، وهذا تحديداً ما يجعل قراءتها من خارج إسرائيل ضرورة: لفهم المجتمع والدولة اللذين ينتجان سياسات تفرض آثارها على الفلسطينيين وعلى المنطقة بأسرها.
ستحدد صناديق الاقتراع عدد المقاعد ومن يستطيع تشكيل الحكومة، لكنها ستكشف أيضاً إسرائيل التي تتشكل بعدها. وحين ينتهي فرز الأصوات، سيعرف الإسرائيليون، ربما، من سيحكمهم. أما السؤال الذي ستتركه الانتخابات مفتوحاً فهو أصعب: أيَّ إسرائيل سيحكم؟
#سوريا_لك_السلام
The Humours of an Election, III: The Polling | طرائف الانتخابات (3): الاقتراع
William Hogarth | ويليام هوغارث
1754-1755
Oil on canvas | زيت على قماش
Sir John Soane’s Museum, London | متحف السير جون سون، لندن
في اللوحة الثالثة من سلسلة رسمها هوغارث عن انتخابات أوكسفوردشاير عام 1754، يقف في أول صف المقترعين جندي قديم فقد يده، يضع خطافه على الكتاب المقدس ليؤدي القسم، وعلى معطفه عبارة «قانون الميليشيا». وحوله يتجادل محاميا الحزبين: هل يصح قسم رجل دفع يقسم بخطاف بعد ان فقد يده في الحرب؟ وفي الخلفية تتداعى عربة بريتانيا، رمز الأمة، بينما ينشغل السائقان بلعب الورق. حملت تلك الانتخابات، قبل أكثر من قرنين ونصف، الأسئلة نفسها: من يخدم الدولة، ومن يحق له أن يصوّت، ومن يريد خصومه إخراجه من المواطنة، بينما العربة التي من المفترض أن تحمل الجميع تتهاوى.



