Israel Revealed by the Elections (2)
From the Upheaval of the Margins to the Struggle over Defining the StateTwo thirds of Jewish Israelis call themselves right-wing, yet they share little beyond a stronger claim of national identity over civic equality. This piece traces how the right took shape, from Jabotinsky to October 7, and maps its currents: those protected by their communities, those protected by the state, and a Kahanist current that moved from outside legitimacy into power.
ماذا يعني اليمين اليوم؟
بحسب مؤشر المجتمع الإسرائيلي لمعهد سياسات الشعب اليهودي، يعرّف 66 في المئة من اليهود الإسرائيليين أنفسهم اليوم في إحدى فئات اليمين. غير أن هذا الرقم يجمع تحت اسم واحد من لا يجمعهم شيء تقريباً في حياتهم اليومية. فيه الحريديم، أي اليهود المتشددون دينياً، الذين يرفضون التجنيد، وجنود الاحتياط الذين يطالبون به. وفيه المستوطنون الذين يرون في الأرض خلاصاً، والمهاجرون العلمانيون الذين يريدون الزواج المدني. وفيه أنصار اقتصاد السوق، وأحزاب تعيش على مخصصات الدولة. بل إن أصحاب الاسم لا يتفقون حتى على معناه: ربما قد يلتقون على أن اليمين يعني معارضة الدولة الفلسطينية، ولكنهم يفترقون في أمور كثيرة أخرى ؛ إذ يضع «يمين الوسط» وزناً أكبر للاقتصاد، وينقسمون انقساماً حاداً حول القضاء. فكيف اجتمع هؤلاء كلهم تحت اسم واحد؟
الدين لا يفسر اجتماعهم، ولا الاقتصاد. ولا حتى رفض الدولة الفلسطينية وحده، لأنه صار موقف أغلبية اليهود. فحين أقر الكنيست عام 2024 قراراً غير ملزم يرفض قيامها حتى ضمن اتفاق سلام، صوّت معه حزب الوسط بقيادة بيني غانتس، ولم يعارضه إلا تسعة نواب عرب. ما بقي يفصل بحدة هو سؤال واحد: حين تتعارض الهوية القومية اليهودية مع المساواة المدنية، أيهما يتقدم؟ في مؤشر الديمقراطية الإسرائيلي لعام 2021، أيّد 57 في المئة من اليمين أن يحظى المواطنون اليهود بحقوق أكثر من غيرهم، مقابل 5 في المئة من اليسار. فاليمين اليوم هو من يطرح القومية والهوية بطريقة أقوى. لكن ما يجمع هؤلاء لا يلغي ما يفرّقهم، والاسم الذي جمعهم يخفي اليوم صراعاً على الدولة نفسها. وكيف تشكّل هذا الاجتماع، ولماذا ينقسم الآن، جوابه في المفاصل التاريخية التي صنعته، وفي المجتمعات التي خرجت منها تياراته.
المفاصل التاريخية
وُلد اليمين الإسرائيلي قبل قيام الدولة بعقدين، في مواجهة القيادة الصهيونية وتيارها العمالي بقيادة بن غوريون، الذي هيمن على المشروع الصهيوني في فلسطين. فقد أسس زئيف جابوتنسكي عام 1925 «الحركة التصحيحية»، وسمّاها كذلك لأنها طالبت بمراجعة سياسة تلك القيادة. وعارض اشتراكية التيار العمالي، وتدرّجه في بناء «الوطن القومي» مستوطنةً بعد أخرى تحت الحكم البريطاني، وطالب بإعلان هدف الدولة اليهودية صراحة.. وكتب عام 1923 في «الجدار الحديدي» أن العرب لن يقبلوا أغلبية يهودية، وأن الاستيطان لا يتقدم إلا تحت حماية قوة لا تخضع لضغطهم. لكنه تعهّد في المقالة نفسها بألا يمسّ اليهود مبدأ المساواة في الحقوق وألا يطردوا أحداً. فالجدار عنده مرحلة، يتبعها اتفاق يضمن للعرب المساواة في الحقوق، بل حقوقاً قومية أيضاً. ولكن أغلبية اليمين اليوم، احتفظت بالجدار، وأسقطت الوعود الأخرى.
ثم جاء مفصل 1967. احتلت إسرائيل الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية، فصار مصير هذه الأرض هو ما يفرّق المعسكرين: تسوية إقليمية، أم أرض إسرائيل الكاملة. ولم يكن الخلاف على الاستيطان نفسه. فحكومات حزب العمل هي التي بدأته، بمنطق أمني رسمته «خطة ألون» في غور الأردن وحول القدس وفي كتلة غوش عتسيون. وتجنبت المناطق المكتظة بالفلسطينيين لتبقي التسوية ممكنة، وأجازت مع ذلك عام 1970 إقامة كريات أربع قرب الخليل. أما الصهيونية الدينية، التي كانت شريكة حزب العمل في الحكم منذ قيام الدولة، فقد خرجت من داخلها عام 1974 حركة «غوش إيمونيم» (كتلة المؤمنين). وهذه الحركة ترى الدولة نفسها «بداية الخلاص»، والأرض مقدسة، فيصير التنازل عنها خطيئة، ويصير الاستيطان واجباً في كل مكان، وفي قلب الضفة قبل غيرها.
وبعد عشر سنوات جاء «المهفاخ»، أي الانقلاب، كما يسميه الإسرائيليون. عام 1977 أسقط مناحيم بيغن و«الليكود» (التكتل) المؤسسة التي بنت الدولة وحكمتها. واستندا إلى قطاعات شعبية واسعة، كثير منها من اليهود القادمين من البلدان العربية والإسلامية، شعرت بأن النخبة العمالية من اليهود الأشكناز، أي ذوي الأصول الأوروبية، لم تمنحها المكانة التي تستحقها. وكانت تلك المؤسسة قد أرست قواعدها: دولة فوق الأحزاب والجماعات، وجيش يصهر المهاجرين، مع استثناء صنعته بنفسها حين أعفت طلاب المعاهد الدينية من الخدمة. وتسوية مع الأحزاب الدينية تُبقي ترتيبات الدين على حالها. ومساواة معلنة، بينما عاش المواطنون العرب تحت حكم عسكري رسمي حتى 1966، ثم تحت مساواة قانونية لم تكتمل، وانتقل الحكم العسكري بعد عام واحد إلى الفلسطينيين في الأراضي المحتلة. دخل بيغن الدولة محترماً قواعدها. فحين رفضت المحكمة العليا عام 1979 ذريعة الأمن لمستوطنة «ألون موريه»، التي أقامها مستوطنون بدافع عقائدي على أرض فلسطينية خاصة، التزمت حكومته بالحكم. لكنها وجدت طريقاً آخر: أعلنت مساحات واسعة «أراضي دولة» وواصلت الاستيطان عليها. وهكذا انتقل الاستيطان من منطق الأمن الذي اعتمده حزب العمل إلى منطق الأرض الكاملة، بأداة قانونية جديدة.
المفصل الثالث كان انهيار أوسلو. ففشل قمة كامب ديفيد عام 2000 والانتفاضة الثانية أفقدا اليسار مشروعه، ورسّخا في الوعي العام فكرة أنه «لا شريك». ومن هذا المناخ خرج أرييل شارون بالانسحاب الأحادي من غزة عام 2005. وشارون، الذي جمع الليكود عام 1973 ورعى الاستيطان عقوداً، جاء من «الموشاف»، القرية الزراعية التعاونية، ومن «الهاغاناه» (الدفاع) التي صارت نواة الجيش، أي من بيئة المؤسسة نفسها. وحين رفض أعضاء حزبه خطته في استفتاء داخلي، مضى بها بجيش الدولة وشرطتها ضد الجماعة التي رعاها، ثم خرج ليؤسس «كاديما» (إلى الأمام). لم يكن ذلك اعتدالاً، فقد قال مستشاره دوف فايسغلاس إن الانسحاب يجمّد العملية السياسية ويمنع قيام دولة فلسطينية. لكنه كان أول افتراق مكشوف داخل اليمين بين منطق الدولة ومنطق الجماعة. ثم جاءت سيطرة حماس على غزة عام 2007 لتمنح اليمين حجته المركزية، أن الانسحاب يجلب الصواريخ، فانتقل الوسط نحوه، وصار موقف اليمين من الأرض موقف الأغلبية. ومنذ ذلك الحين صار الصراع على الأرض يتداخل مع صراع آخر على الدولة نفسها: لمن هي، ومن يحتمي بها، ومن يحتمي بجماعته منها.
ومع عودة نتنياهو إلى الحكم عام 2009 تشكلت أرضية جديدة. حلّت «إدارة الصراع» محل البحث عن حله، فصار الاحتلال وضعاً تديره الدولة بلا أفق. ثم جاء قانون القومية، الذي أقره الكنيست عام 2018 بأغلبية 62 مقابل 55، وجعل ممارسة حق تقرير المصير القومي في الدولة حصرية للشعب اليهودي، وأنزل العربية عن مرتبة اللغة الرسمية. وفي جولات الانتخابات المتكررة بين 2019 و2021 ترسّخ عرف غير مكتوب: حكومة بلا أحزاب عربية. وهو عرف كسرته الحاجة مرة واحدة، حين دخلت القائمة العربية الموحدة ائتلاف بينيت ولابيد عام 2021. وفوق هذه الأرضية بقي سؤالان مفتوحان. أولهما: هل تحكم الأغلبية بلا قيود، أم تحدّها مؤسسات مستقلة؟ وقد تحوّل هذا السؤال عام 2023 إلى أزمة مفتوحة، حين طرحت حكومة نتنياهو خطة لتقليص صلاحيات المحكمة العليا والتحكم بتعيين القضاة، فخرجت احتجاجات واسعة استمرت أشهراً. وثانيهما: هل تبقى تسوية الدين والدولة بإعفاءاتها، أم تفرض الدولة قواعد مدنية مشتركة؟ وعلى هذين السؤالين ينقسم اليمين اجتماعياً قبل أن يكون مؤسسياً.
ثم جاء المفصل الرابع. هجوم السابع من أكتوبر 2023 أسقط عقيدة إدارة الصراع، وانقسم اليمين على الجواب. جناح رأى الجواب في مزيد من القوة والسيطرة والاستيطان، حتى الدعوة إلى «الهجرة الطوعية» لسكان غزة. وجناح رأى الجواب في محاسبة الدولة التي فشلت، وفي تقاسم عبء حرب طويلة حمل جنود الاحتياط ثقلها أشهراً متتالية، بينما بقي طلاب المعاهد الدينية معفيين. وفي قلب هذا المفصل جاء قرار الكنيست برفض الدولة الفلسطينية، فالتقى الجناحان على الأرض، وافترقا على الدولة.
من تحميه الجماعة
من هذا الخط يمكن رسم خريطة اليمين. في جهة تقف التيارات التي تضمن مكانتها مؤسساتٌ تملكها الجماعة، وأوضحها شاس، واسمها اختصار عبري لـ«حراس التوراة السفارديم»، أي اليهود المتدينين من أصول شرقية. وُلد أرييه درعي في مكناس، ووصل مع عائلته إلى بات يام في التاسعة. ثم أقنع معلمه الحاخام عوفاديا يوسف عام 1984 بتأسيس حزب حريدي سفاردي، على خلفية شعور بتمييز مزدوج: من المؤسسة العلمانية، ومن الحريدية الأشكنازية التي احتكرت تمثيل المتدينين. وكان شعار الحزب «إعادة التاج إلى مجده القديم»، وأداته شبكة تعليم مستقلة، «إل همعيان» (إلى النبع)، تموّلها الدولة وتديرها الجماعة. هنا الدولة مموّل، والجماعة بيت. ولهذا لم تكن الأرض قضية شاس المؤسسة، فقد أفتى عوفاديا يوسف بأن الأرواح أهم من الأراضي. وإلى جانبها تقف «يهدوت هتوراه»( يهودية التوراة)، وريثة حريدية أشكنازية سبقت الدولة ولم تنتظرها، خطها الأحمر تجنيد طلاب المعاهد، وهي تعلن اليوم أنها غير ملتزمة بكتلة نتنياهو.
والصهيونية الدينية حالة أعقد. فقد دخلت الدولة من بابها، وخدم أبناؤها في وحداتها القتالية. لكن الانسحاب من غزة عام 2005، حين أخلت الدولة مستوطنات القطاع بجيشها وشرطتها، علّمها أن الدولة قد تنقلب على الجماعة. لم تنعزل عنها، غير أن الدولة فقدت عندها قداستها، وصار السعي إلى مؤسساتها سعياً إلى امتلاك دولة يمكن أن تخون. واليوم يمر الخط داخل التيار نفسه. قيادة يمثلها بتسلئيل سموتريتش تتردد في رفض قانون الإعفاء حرصاً على تحالفها مع الليكود والحريديم. وقاعدة ترى في الخدمة العسكرية جوهر هويتها، ويتهم بعض أبنائها قيادتهم بأنها باعت البلد للحريديم. وتمنح الاستطلاعات هذه التيارات مجتمعة نحو عشرين مقعداً: سبعة لشاس، وسبعة لـ«يهودية التوراة»، وستة للصهيونية الدينية، بحسب استطلاع «معاريف» المنشور في 9 أكتوبر.
من تحميه الدولة
وفي الجهة المقابلة تقف تيارات تضمن الدولة مكانتها مباشرة، عبر مسارات لا تجمعها سيرة واحدة ولا حزب واحد. غادي آيزنكوت ابن أبوين مغربيين، نشأ في إيلات، في أطراف البلاد البعيدة عن مراكز القرار، وصعد عبر لواء غولاني حتى رئاسة الأركان. ويمكن أن تُقرأ سيرته بطريقتين: ولادة دولتية جديدة من الأطراف التي تمردت يوماً على النخبة القديمة، أو شهادة على قدرة تلك النخبة، عبر الجيش تحديداً، على استيعاب أبناء الأطراف وتحويلهم إلى حماتها. والسيرة وحدها لا تحسم بين القراءتين. ودولتيته لا تعني قوة أقل. فاسمه مرتبط بـ«عقيدة الضاحية» التي جعلت تدمير البنى المدنية في لبنان أداة ردع، وقال في حملته الحالية إنها ما زالت صالحة. القوة عنده تمر عبر المؤسسة، بكامل حدّتها.
ونفتالي بينيت ابن هجرة ناجحة. وُلد في حيفا لزوجين هاجرا من سان فرانسيسكو بعد حرب 1967، وخدم في «سرية هيئة الأركان»، وحدة النخبة في الجيش، وفي وحدة أخرى للعمليات الخاصة، ثم صنع ثروته في عالم التكنولوجيا، وصار أول رئيس حكومة يعتمر القلنسوة. وخطابه يكشف تصوره للدولة أكثر من سيرته: فهو يقول إن أخطر ما يهدد مستقبل الدولة اليهودية أن 15 في المئة من الجمهور يعيشون في «دولة حريدية منفصلة»، ويرفض أي إعفاء من التجنيد. الدولة عنده جهاز واحد فوق القطاعات، لا يقبل أن تبني جماعة دولتها داخله. وقد انتقل من قيادة حزب ديني قومي إلى قائمة «معاً» مع لابيد، أحد أبرز وجوه الوسط العلماني.
أما يائير لابيد فوارث المؤسسة القديمة. والده تومي لابيد ناجٍ من المحرقة، قاد حزب «شينوي» (التغيير) العلماني، الذي وصفه منتقدون بأنه يحمل قلق الطبقة الوسطى الأشكنازية من تمدد الأحزاب الدينية على الدولة وميزانيتها. ويُروى أنه قال لابنه على فراش موته: «أترك لك دولة إسرائيل». ويمكن أن يُقرأ ذلك على أن الدولة هنا إرث، وأن التهميش تهميش الورثة الذين يرون الجماعات تأخذ دولتهم. وفي مسار لابيد نفسه ما يكشف ثمن الوقوف في صف الدولة. فقد أيّد حل الدولتين علناً، لكن نواب حزبه غادروا قاعة الكنيست قبل التصويت عام 2024 على رفض الدولة الفلسطينية. ثم صار ثانياً في قائمة يرأسها بينيت، أحد أشد معارضي الدولة الفلسطينية، وتستبعد الاعتماد على الأحزاب العربية. فمن يريد أن يواجه منطق الجماعات باسم الدولة، يقف اليوم على الأرضية القومية التي كتبها اليمين.
وأفيغدور ليبرمان، المهاجر من مولدوفا عام 1978، يمثل جمهوراً من المهاجرين من الاتحاد السوفييتي السابق لا تعترف الحاخامية بيهودية كثير منهم. فهذا الجمهور يحتاج إلى الدولة لتحميه من احتكار جماعة دينية لأحواله الشخصية، ولذلك يجتمع عند ليبرمان التشدد القومي والعلمانية وتأييد الزواج المدني. ومعهم قائمة جديدة يقودها الوزيران السابقان حيلي تروبر ويوعاز هندل، قائد حركة جنود الاحتياط، ويقول أحد مؤسسيها إن من لا يخدم الدولة لا ينبغي أن يحق له الترشح للكنيست. ويمنح الاستطلاع نفسه هذه التيارات نحو 47 مقعداً: 21 لقائمة آيزنكوت «يشار» (المستقيم)، و13 لـ«بياحد»، و9 لحزب ليبرمان، و4 لتروبر وهندل.
وإلى جانب من تحميه الجماعة ومن تحميه الدولة، يقف تيار ثالث له جذر أيديولوجي مستقل: الكهانية، وريثة مئير كهانا وحركة «كاخ» (هكذا) التي حُظرت بعد مجزرة الحرم الإبراهيمي عام 1994، و«القوة اليهودية» (عوتسما يهوديت) وريثتها السياسية. وإيتمار بن غفير، زعيمها، ابن عائلة من أصول عراقية وكردية، نشطت أمه في مراهقتها في «الإرغون»، أي «المنظمة العسكرية القومية» السرية، ورفض الجيش تجنيده حين بلغ الثامنة عشرة بسبب تطرفه. وفي سيرته تنكشف مفارقة التيار كله: حركة حظرتها الدولة وعاملتها مؤسساتها بوصفها خارج حدود الشرعية السياسية والأمنية، صار زعيمها وزيراً للأمن القومي يتحكم بإحدى أدواتها التنفيذية الأساسية، ويوسّع حيازة السلاح على نطاق غير مسبوق. ويمنحه الاستطلاع ثمانية مقاعد.
هذه الخريطة لا ترسمها الأصول. فآيزنكوت ودرعي من أصل مغربي واحد، وبن غفير من أصول شرقية أيضاً، والثلاثة في ثلاثة مواقع مختلفة. والبيانات تشير إلى أن الخط يمر عبر التدين وامتلاك المؤسسات. فخطة الإصلاح القضائي، وهي الاختبار الأوضح لموقف كل تيار من المؤسسات المستقلة، وصفها بأنها جيدة 16 في المئة فقط من العلمانيين، مقابل 66 في المئة من الأرثوذكس والحريديم، بينما جاء التقليديون أقرب إلى العلمانيين. ولا تفسر هذه الخريطة وحدها كل مواقف الأحزاب، لكنها تكشف ما تعجز عنه قراءة المواقف وحدها. فالشعور بالتهميش موجود عند الجميع: عند ابن الأطراف، وعند الحريدي السفاردي، وعند وارث المؤسسة. وما يفرّق بينهم هو ما يضمن مكانتهم: الجماعة، أو الدولة، أو أدوات القوة لتيار وقف طويلاً خارج شرعيتها. وقسم من هذه الهويات صار انتماءً موروثاً لأجيال لم تعش التجربة التي صنعته.
نتنياهو: استراتيجيا ثابتة وتحالفات متحركة
ويبقى بنيامين نتنياهو حالة خاصة. فهو ابن المؤرخ بنتسيون نتنياهو، سكرتير جابوتنسكي في سنته الأخيرة. نشأ بين القدس وضاحية قرب فيلادلفيا، وخدم في «سرية هيئة الأركان» التي سقط أخوه يوني قائداً لها في عنتيبي. دخل الدولة من بابها الأرفع، لكن بيته بقي خارج مؤسستها عقائدياً. وشعوره بالتهميش عقائدي وحضاري قبل أن يكون اجتماعياً. وكتابه «مكان بين الأمم» يقرأ تاريخ الصهيونية سلسلةً من الخذلان: من «خيانة» بريطانيا، التي اقتطعت في روايته شرق الأردن من الوطن الموعود لليهود، إلى «حصان طروادة»، وهو عنده منظمة التحرير الفلسطينية ومشروع الدولة الفلسطينية. ويُختم بفصل عن «مسألة القوة اليهودية»، وبأن السلام الممكن هو «سلام الردع». هذه استراتيجيته الثابتة.
أما تحالفه مع الجماعات فتكتيك، لكنه تكتيك من نوع خاص. فكل حكومات إسرائيل ائتلافية، وما يميّز نموذج نتنياهو أنه يحكم فوق الجماعات بمقايضة واضحة. يمنح كل جماعة ما تريده من الدولة: الإعفاء من التجنيد للحريديم، والاستيطان للصهيونية الدينية، ووزارة الأمن القومي للكهانيين. وتمنحه هي سلطة أوسع على الدولة نفسها. وقد كشفت خطة الإصلاح القضائي هذه المقايضة. فتقليص صلاحيات المحكمة العليا كان يخدم الحريديم، لأنها المحكمة التي أسقطت ترتيبات إعفائهم مرة بعد مرة، ورأى قادتهم في تمكين الكنيست من تجاوز أحكامها شرطاً لتثبيت الإعفاء. ويخدم السلطة التنفيذية التي تريد التحرر من رقابتها. ويخدم، كما يقول منتقدوه، رئيس حكومة يحاكَم بتهم الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة، وهو ينفي أي صلة بين الأمرين. ولليكود قاعدة حزبية واجتماعية واسعة، لكن نتنياهو، بخلاف قادة الأحزاب الحريدية والدينية، لا يقود جماعة ذات مؤسسات مستقلة تضمن له قاعدة ثابتة خاصة به، ولذلك يحكم بهذه المقايضة. وقد حكم عام 2013 من دون الأحزاب الحريدية، ويقول بينيت إن نتنياهو التقى منصور عباس مراراً عام 2021 حين احتاج إليه. ويمنح الاستطلاع الليكود عشرين مقعداً.
حدود «نحن»
ويبلغ هذا المنطق حدوده عند المواطنين العرب. فالقائمة العربية الموحدة، التي دخلت ائتلاف 2021 بمنطق التفاوض على مصالح مجتمعها، أي بمنطق الجماعات نفسه، تجد الباب اليوم مغلقاً. فقد عاد العرف القديم بعد السابع من أكتوبر أقوى مما كان. معظم الأحزاب اليهودية الكبرى، من الليكود إلى معارضيه، تتعهد بحكومة «صهيونية» لا تعتمد على الأحزاب العربية، ومنها «معاً» بقيادة بينيت ولابيد وتروبر وهندل، ويكاد الديمقراطيون وحدهم يخرجون عن ذلك. والعرف يستند إلى رأي عام: 59 في المئة من الإسرائيليين يعارضون انضمام حزب عربي إلى الائتلاف المقبل. النزعة الجماعاتية ترى العرب جماعة خارج التحالف. والنزعة الدولتية المعارضة لنتنياهو تتحدث بلغة المواطنة المشتركة، لكنها لم تحسم التناقض بين هذا الخطاب واشتراط أغلبية قومية يهودية لتشكيل السلطة. وهو تناقض يبتعد حتى عن جابوتنسكي نفسه، الذي وعد بأن يكون خلف الجدار مساواة في الحقوق وحقوق قومية للعرب.
وهذا السؤال، أي هل تقوم الدولة على تفاوض جماعات كل منها على حصتها، أم على قواعد مواطنة مشتركة تشمل من يقف خارج الأغلبية أيضاً، يعرفه المشرق في لبنان، وفي العراق بعد 2003، وفي سوريا بعد الأسد. والمقارنة لا تساوي بين الحالات، لكنها تذكّر بأن الجواب تصنعه القواعد التي تقبل الجماعات الاحتكام إليها، أكثر مما تصنعه هوية الدولة المعلنة.
قبل نصف قرن، دخل اليمين إلى الدولة من موقع المعارضة للمؤسسة. واليوم، بعد أن كتب جزءاً كبيراً من قواعدها، تتنافس تياراته على ما لم يُكتب بعد. ستحدد الانتخابات من يستطيع تشكيل الحكومة، لكن السؤال الذي فتحه انقلاب 1977 انتقل من الهامش الذي أراد دخول الدولة إلى الذين دخلوها: بأي قواعد سيحكمونها، ولمن ستكون؟
في الحلقة المقبلة: كيف تترجم هذه التيارات تصوراتها للدولة في ثلاث ساحات: التجنيد، والقضاء، والمواطنة.
Żyd wieczny tułacz | The Wandering Jew | اليهودي التائه
Samuel Hirszenberg | شموئيل هيرشنبرغ
1899
Oil on canvas | زيت على قماش
The Israel Museum, Jerusalem | متحف إسرائيل، القدس
«اليهودي التائه» أسطورة مسيحية قديمة عن يهودي قضت عليه اللعنة بالتيه الأبدي، واستعملتها الدعاية المعادية لليهود قروناً. وفي عام 1899 استعادها شموئيل هيرشنبرغ، ابن عامل النسيج من لودز، وقلب معناها: رجل عارٍ يركض مذعوراً بين الصلبان والجثث، وقد صار التائه هنا ضحية لا ملعوناً. وصارت اللوحة أيقونة صهيونية: صورة التائه الذي سيجد دولته. لكن الدولة قامت، ولم ينتهِ التيه. فالدولة التي أنهت تيه اليهود أنتجت تيهاً فلسطينياً ما زال أصحابه بلا دولة، وما زالت جماعاتها نفسها تتنازع على من تعترف به في داخلها. فالتيه يبدأ من غياب الاعتراف، ولا يتوقف ما بقي الاعتراف معلقاً: اعتراف الدولة بجماعاتها ومواطنيها، واعترافها بمن انتزعت مكانه.



