Israel Revealed by the Elections (4)
Citizenship Without Protection, Partnership on Hold
Arab citizens of Israel turned out in exceptionally high numbers in an election in which most major Jewish parties pledged not to rely on Arab parties to form a government. This article traces the evolution of Arab political participation, from military rule to parliamentary influence and the 2021 governing coalition, through three overlapping approaches: communal bargaining, civic equality, and national recognition. It examines the distinction between the legal rights to vote and stand for election and the political barriers to exercising decisive influence over government formation. Against the backdrop of organized crime, unequal protection, and the demand for effective representation, it argues for a gradual expansion of Arab political influence rather than an immediate confrontation over the legitimacy of Arab participation in determining who governs Israel. Ultimately, meaningful partnership requires a change not only in parliamentary numbers, but in the boundaries of Israel’s political “we.”
سجّل المواطنون العرب في إسرائيل إقبالاً على صناديق الاقتراع لم تعرفه الانتخابات منذ عقود. ووصف رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو هذا الإقبال بأنه «حالة طوارئ». والمشهد يحمل مفارقة واضحة، فالمشاركة العربية تتسع في انتخابات تتعهد فيها معظم الأحزاب اليهودية الكبرى، من الليكود إلى معارضيه، بحكومة لا تعتمد على الأحزاب العربية، ويعارض فيها 59 في المئة من الإسرائيليين انضمام حزب عربي إلى الائتلاف المقبل.
فلماذا يندفع المواطنون العرب إلى الصناديق في اللحظة التي يضيق فيها الباب إلى السلطة؟ يتوقف الجواب على ما تعنيه السلطة لهم، اعترافاً أم حماية لم تمنحها لهم الدولة، وأيضاً على الطريق الذي يدخلون منه: هل هم جماعةً تفاوض على حصتها، أم مواطنين يطالبون بالمساواة، أو أقلية قومية تطالب بالاعتراف. وهذا كله يبدأ من الطريقة التي دخلوا بها السياسة الإسرائيلية أول مرة.
من الحكم العسكري إلى «الكتلة المانعة»
بقي ضمن حدود دولة إسرائيل بعد إعلانها في العام 1948 نحو 150 ألف فلسطيني، صاروا مواطنين في دولة قامت على أنقاض مجتمعهم. وحصلوا على حق التصويت منذ أول انتخابات للكنيست عام 1949، غير أنهم عاشوا حتى 1966 تحت حكم عسكري يتحكم بتنقلهم وبعملهم وأرضهم وفقاً لنظام التصاريح، وفي ذلك الوقت كان يذهب جزء من أصواتهم إلى قوائم عربية تابعة لحزب «مباي» (حزب عمال أرض إسرائيل)، وهو حزب بن غوريون الحاكم وسلف حزب العمل. وكان يرأس هذه القوائم وجهاء وزعماء عائلات يجمعون الأصوات مقابل الخدمات والتصاريح، ثم يصوّتون مع الحكومة، بينما حمل الحزب الشيوعي، الحزب العربي اليهودي المشترك، خطاب المساواة. وحين حاولت حركة «الأرض» القومية أن تؤسس حزباً عربياً مستقلاً، حظرتها السلطات عام 1964، وأيدت المحكمة العليا عام 1965 منع قائمتها من الترشح، في أول استبعاد لقائمة في تاريخ إسرائيل.
ثم جاءت لحظتان صنعتا الوعي السياسي العربي. في 30 آذار 1976 خرجت إضرابات وتظاهرات ضد مصادرة الأراضي في الجليل، فقتلت قوات الأمن ستة من المواطنين العرب. صار «يوم الأرض» أول تحرك يشمل المجتمع العربي كله، فانتقل معه الوعي القومي الذي حملته حركة «الأرض» من النخبة إلى الناس، وتأسست بعده «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة». وفي تشرين الأول 2000، مع اندلاع الانتفاضة الثانية في الضفة وغزة، خرج المواطنون العرب في ما يسمونه «هبّة القدس والأقصى»، فقتلت الشرطة ثلاثة عشر متظاهراً، اثنا عشر منهم مواطنون، وحمّلت «لجنة أور» الرسمية الشرطة والحكومة مسؤولية واضحة. فقاطع المواطنون العرب انتخابات رئاسة الحكومة عام 2001، وبدأت قطيعة طويلة مع اليسار الصهيوني.
إلى جانب لحظات الشارع، التي صنعت الهوية، جاءت لحظة البرلمان، التي اختبرت الوزن حين اعتمدت حكومة إسحاق رابين على خمسة نواب عرب دعموها من خارج الائتلاف، فصاروا «كتلة مانعة» تحول دون إسقاطها. وفي تشرين الأول 1995 أقر الكنيست اتفاقية أوسلو الثانية بأغلبية 61 مقابل 59. وفي تظاهرة ليلة التصويت قال نتنياهو، زعيم المعارضة حينها: «هذه الحكومة لا تملك أغلبية صهيونية». وبعد شهر اغتيل رابين، في مناخ كانت حملة «الشرعية» جزءاً منه. ومنذ ذلك الحين يتكرر النمط: كلما اقترب الصوت العربي من الحسم، انتقل النقاش من مضمون القرار إلى شرعية من صوّت له. تكرر ذلك عام 2015، حين حذّر نتنياهو يوم الاقتراع من أن الناخبين العرب «يتدفقون بأعداد كبيرة»، وتكرر اليوم بعبارة «حالة الطوارئ».
الأبواب الثلاثة
لم يكن هذا الإقصاء قدراً مكتوباً من الجهة الإسرائيلية. فزئيف جابوتنسكي، الأب الفكري لليمين، اقترح عام 1940 أن تُعرض نيابة رئاسة الحكومة على عربي في كل حكومة يرأسها يهودي، وإن كان قد تحدث قبل ذلك بثلاث سنوات عن «ترحيل» الفلاحين العرب. وحزب «حيروت» بقيادة مناحيم بيغن قاد في مطلع الستينيات حملة لإلغاء الحكم العسكري. وفشلت المحاولة عام 1963 بفارق صوت واحد، حين صوّت نائبان عربيان من قوائم «مباي» مع الحكومة، فأطالا الحكم العسكري على مجتمعهما ثلاث سنوات أخرى. أما عبارة «الأغلبية الصهيونية» التي أطلقها نتنياهو عام 1995، فقد صارت عرفاً عابراً للمعسكرين، واليوم يدعو إليها غادي آيزنكوت، خصمه في هذه الانتخابات.
بعد هذه السنوات والتجارب يمكن تلخيص أبواب دخول العرب إلى الحياة السياسية بثلاثة أبواب (التصويت، الترشح، المشاركة) لكل منها حارس مختلف. باب التصويت مفتوح من حيث الحق القانوني منذ عام 1949، وإن أحاطت بممارسته قيود سياسية وأمنية خلال سنوات الحكم العسكري الذي استمر حتى عام 1966. وباب الترشح متنازع عليه بين السياسة والقضاء، فمنذ أضاف الكنيست عام 1985 إلى قانونه الأساسي مادة تحدد أسباب استبعاد القوائم، والتي كان دافعها الأول حظر حركة «كاخ» العنصرية بزعامة مئير كهانا، تكررت قرارات لجنة الانتخابات المركزية باستبعاد قوائم ومرشحين، لكن المحكمة العليا ألغت عدداً كبيراً منها، وفقاً لاجتهاد يضع شروطاً مشددة لتقييد حق الترشح. ولكن حين صوّتت اللجنة في 23 أيلول على استبعاد القائمتين العربيتين، ألغت المحكمة القرارين، كما ألغت استبعاد النائب عوفر كسيف، وأبقت الباب مفتوحاً للمشاركة في مواجهة الإغلاق السياسي. لكن سامي أبو شحادة، مرشح «التجمع»، انسحب بعدما أبدت المحكمة استعداداً لتأييد استبعاده، دون أن يصدر حكم نهائي بحقه.
أما باب الشراكة في الحكم فلا يغلقه نص قانوني يمنع العرب من تولي المناصب أو المشاركة في الائتلافات، وإنما يحرسه عرف سياسي يحدد من يُعدّ شريكاً مشروعاً في صناعة السلطة. وقد عمّق قانون القومية لعام 2018، الذي يسميه كثيرون «قانون يهودية الدولة»، هذا التناقض حين جعل ممارسة حق تقرير المصير القومي حصرية للشعب اليهودي، وأنزل العربية، في قراءة معظم القانونيين، من لغة رسمية ورثتها الدولة عن الانتداب إلى لغة ذات «مكانة خاصة». وقد ثبّتت المحكمة العليا القانون عام 2021 بأغلبية عشرة قضاة مقابل قاضٍ واحد، هو جورج قرا، العضو العربي الوحيد فيها. وهكذا يستطيع المواطن العربي أن يصوّت ويترشح، بل أن يتولى منصباً حكومياً، لكن مشاركته الحاسمة في تقرير هوية الحكومة واتجاهاتها الكبرى تبقى موضع نزاع على الشرعية السياسية. وحتى الدروز، الذين يخدمون في الجيش، ملؤوا ساحة رابين في تل أبيب احتجاجاً على القانون، ولكن الخدمة نفسها في الجيش لم تفتح هذا الباب الثالث.
مواطنون لا تحميهم الدولة
في الحياة اليومية صار السؤال سؤال حماية قبل أن يكون سؤال اعتراف. فالجريمة المنظمة تفتك بالمجتمع العربي؛ فقد سقط فيه 126 قتيلاً عام 2021، ثم تراجع العدد إلى 116 عام 2022، قبل أن يقفز إلى 244 عام 2023، ويبقى مرتفعاً عند 230 عام 2024، ثم يصل إلى 252 عام 2025. ولذلك صار موقف الأحزاب من الجريمة العامل الأول في قرار التصويت عند المواطنين العرب.
هنا يتضح أحد معاني الاندفاع إلى السلطة. فـ77.2 في المئة من المواطنين العرب يؤيدون دخول حزب عربي إلى الائتلاف، وفق استطلاع لمركز موشيه دايان، وهي نسبة تعكس تأييداً واسعاً للمشاركة الحكومية. السلطة عندهم طريق إلى الشرطة التي تلاحق الجريمة، والميزانيات التي تصل إلى البلدات، والخدمات التي لم تصلهم من خارجها. وتجربة الموحدة في حكومة بينيت–لابيد توضح إمكان التأثير في هذه الملفات، فقد أُقرت خطة خمسية بنحو ثلاثين مليار شيكل لتنمية المجتمع العربي وتقليص الفجوات، إلى جانب برنامج منفصل لمكافحة الجريمة والعنف. وتراجع عدد الضحايا عام 2022 قبل أن يتضاعف تقريباً في عام 2023، بعد عودة نتنياهو وتولي إيتمار بن غفير وزارة الأمن القومي المسؤولة عن الشرطة. ولا تكفي هذه المقارنة لإثبات أن المشاركة الحكومية وحدها خفضت الجريمة، أو أن تبدل الحكومة وحده تسبب في ارتفاعها، لكنها تكشف أهمية التأثير في السياسات الأمنية والميزانيات بالنسبة إلى مجتمع باتت حمايته اليومية قضية سياسية ملحة.
الطرق الثلاثة
حين يطلب المواطنون العرب الدخول إلى الدولة، تتوزع مقارباتهم على ثلاثة خطوط تمتد إلى بدايات مشاركتهم السياسية. وليست هذه خطوطاً متعارضة تماماً، ولا أحزاباً محصورة في مطالب واحدة، بل ثلاثة تصورات يختلف فيها مركز الثقل: التفاوض على مصالح الجماعة، أو بناء مواطنة متساوية بالشراكة بين العرب واليهود، أو انتزاع الاعتراف بالهوية القومية الفلسطينية.
الخط الأول خط التفاوض الجماعاتي على المصالح والموارد. ظهرت له صيغة مبكرة في القوائم العربية المرتبطة بحزب «مباي» في الخمسينيات، وإن اختلفت تبعيتها للحزب الحاكم عن استقلال الأحزاب العربية اللاحقة. ثم مر بالحزب الديمقراطي العربي، ووصل إلى القائمة العربية الموحدة، التي تشكلت عام 1996 بمشاركة الجناح الجنوبي للحركة الإسلامية الذي اختار العمل البرلماني. دخلت الموحدة ائتلاف بينيت–لابيد عام 2021 بمنطق التفاوض على الميزانيات والخدمات ومكافحة الجريمة، دون أن تجعل إعادة تعريف الهوية القومية للدولة شرطاً مسبقاً للمشاركة؛ وهو من هذه الناحية قريب من منطق التفاوض الذي تتبعه أحزاب دينية داخل المجال اليهودي، وإن اختلف موقع الطرفين في الدولة. ولهذا النهج سوابق تكشف أيضاً مخاطره: فقد صوّت نائبان عربيان من قوائم «مباي» عام 1963 مع الحكومة ضد محاولة إنهاء الحكم العسكري. وفي انتخابات 2026 ضمت الموحدة في المرتبة الثانية على قائمتها يوآف سيغالوفيتش، المسؤول السابق في الشرطة والوزير السابق، الذي ربط انضمامه بالاعتراف بإسرائيل دولةً للشعب اليهودي. وهو مثال على حدود التنازل الرمزي الذي قد يرافق توسيع التحالف الانتخابي، لا على تطابق تجربة الموحدة مع قوائم «مباي» القديمة.
أما الخط الثاني فهو خط المواطنة المدنية المتساوية، ويمتد من الحزب الشيوعي الإسرائيلي إلى «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة». وهو لا يكتفي بالتفاوض بين جماعتين على حصتيهما، بل يسعى إلى شراكة عربية يهودية داخل التنظيم السياسي نفسه، كما يظهر في وجود النائب اليهودي عوفر كسيف إلى جانب النواب العرب في الجبهة. وتطالب الجبهة بالمساواة الكاملة وإنهاء الاحتلال، وتقر كذلك بالحقوق القومية للمواطنين العرب الفلسطينيين؛ فلا يكمن اختلافها عن الخط الثالث في إنكار الهوية القومية، بل في جعل الشراكة المدنية العابرة للانتماء القومي طريقاً أساسياً لتغيير الدولة وسياساتها.
ويبقى الخط الثالث، خط الاعتراف القومي، الممتد من حركة «الأرض»، إلى القائمة التقدمية للسلام، ثم إلى «التجمع الوطني الديمقراطي» الذي أسسه عزمي بشارة عام 1995 وصاغ مطلب «دولة جميع مواطنيها». وهو لا يكتفي بمساواة الأفراد أو بتحسين حصة المجتمع العربي من الموارد، بل يضع موضع السؤال احتكار الجماعة اليهودية لتعريف الدولة وحق تقرير المصير فيها. وحتى اسم الحزب يحمل هذه المفارقة: فـ«بلد» اختصار عبري لاسمه الرسمي في سجلات الدولة، ويُقرأ بالعربية «بلداً»، أي وطناً. ويتخذ حرف الضاد رمزاً انتخابياً، فيحضر اللسان العربي في قلب نظام انتخابي تديره دولة خفّض قانون القومية فيها المكانة القانونية للعربية. واليوم يجتمع هذا الخط مع خط الجبهة والحركة العربية للتغيير بقيادة أحمد الطيبي في القائمة المشتركة، بينما تخوض الموحدة الانتخابات منفردة.
وفي هذه الطرق مرآة لما رأيناه في الحلقة السابقة، ولكنها ليست صورة مطابقة. فالمواطنون العرب يتنازعون معنى علاقتهم بالدولة: أهي علاقة جماعة تفاوض على مصالحها، أم مواطنين يعيدون بناء المجال السياسي المشترك، أم أقلية قومية تطالب بأن تعترف الدولة بها شريكاً في تعريف نفسها؟ وهذه المطالب قد تجتمع في البرنامج الواحد، لكن اختلاف ترتيبها يحدد الطريق السياسي. والمجال الإسرائيلي أبدى استعداداً لقبول تفاوض عربي على الخدمات والميزانيات، كما حدث مع الموحدة عام 2021، أكثر مما أبدى استعداداً لقبول مطالبة قومية تمس تعريف الدولة، كما تشهد محاولات استبعاد «التجمع» ومرشحيه.
أكبر من أن يُهضم
غير أن زيادة المقاعد هذه، في تقديري، أكبر من أن يهضمها المجتمع الإسرائيلي بسرعة. فهي تأتي في لحظة يعدّ فيها رئيس الحكومة الإقبال العربي حالة طوارئ، ويتعهد فيها معظم خصومه بحكومة لا تعتمد على الأحزاب العربية. وقد رأينا ما حدث عندما صارت أصوات النواب العرب حاسمة في إقرار اتفاق أوسلو عام 1995، حين انتقل النقاش من مضمون القرار إلى شرعية اتخاذه، وصارت «الأغلبية الصهيونية» سلاحاً في يد المعارضة، ثم معياراً سياسياً تجاوز حدودها. لقد استطاعت تلك الأصوات ترجيح القرار برلمانياً، لكنها لم تستطع ترسيخ قبول سياسي بشرعية دورها الحاسم فيه. وأن تصبح الكتل العربية اليوم القوة الأساسية في تحديد من يشكل الحكومة ومن يُستبعد منها، في مجتمع لم ينضج لقبولها بهذا الدور، قد يعيد إنتاج المواجهة نفسها، بما تحمله من خطر على المكاسب السياسية التي تحققت.
ولهذا فالأجدى ألا تكون الأولوية اليوم لاستخدام الوزن العربي الجديد في حسم تشكيل الحكومة أو ضمان بقائها، بل لتثبيت هذا الوزن وتوسيع أثره السياسي بصورة متدرجة. فالمسألة ليست مشاركة العرب في البرلمان، وهي ممارسة معتادة منذ عقود، ولا مجرد دخولهم ائتلافاً حكومياً، كما حدث عام 2021، بل انتقالهم إلى موقع تقرير هوية السلطة ومن يمثل الدولة ويتخذ قراراتها المصيرية. وهذا حق ديمقراطي كامل، لكن ممارسته تستدعي تقدير الظروف والنتائج. فهناك فرق بين اعتراضات وموجات رفض يمكن التعامل معها مع اتساع الشراكة، وبين استنفار سياسي واسع يعيد طرح شرعية المشاركة العربية نفسها ويهدد بتبديد ما تراكم من مكاسب. وهذا الامتناع عن التعجل غير الإقصاء؛ فالإقصاء تفرضه الأغلبية، أما ضبط وتيرة المشاركة فهو خيار تتخذه الأقلية لحماية قدرتها على توسيع دورها مستقبلاً.
وقد يقال إن الابتعاد عن الحكم يترك المجتمع العربي بلا حماية، وإن تجربة 2021 جاءت بمكاسب حقيقية. لكن تلك المكاسب قامت على ائتلاف هش سقط بعد عام ونصف، ولم تنجح التجربة في ترسيخ قبول مستدام بالشراكة الحكومية العربية. وهي مع ذلك تجربة لا ينبغي تجاهلها أو اختزالها في إخفاقها، بل الاستفادة منها لفهم حدود المشاركة الممكنة وكيفية توسيعها دون تحويل كل تقدم إلى مواجهة شاملة حول شرعيته.
والكتل العربية محكومة هنا بنظرين: نظر مجتمع إسرائيلي لم يقبل بعد أن تتحول المواطنة العربية إلى شراكة حاسمة في تقرير السلطة، ونظر المجتمعات العربية نفسها، في الداخل وفي المنطقة. فإسرائيل ستواصل اتخاذ قرارات الحرب والأمن، وقد تخوض حروباً جديدة، وربما في غزة أولاً. والمشاركة في حكومة تتخذ هذه القرارات، أو ضمان بقائها دون قدرة حقيقية على التأثير فيها، قد تحمل الكتل العربية عبئاً سياسياً لا يجوز الاستهانة به. فالشراكة مؤجلة في مستواها الأعلى، لا في أصلها؛ يؤجلها إغلاق إسرائيلي، ومجتمع لم ينضج بعد لقبولها بهذا الحجم، والأجدر بالكتل العربية ألا تستعجل الانتقال إليها. وما يفتح بابها في النهاية تغيّر في معنى «نحن»، لا عدد المقاعد وحده.
Volkstelling te Bethlehem | The Census at Bethlehem | الإحصاء في بيت لحم
Pieter Bruegel de Oude | Pieter Bruegel the Elder | بيتر بروغل الأكبر
1566
Oil on oak panel | زيت على لوح من خشب البلوط
Royal Museums of Fine Arts of Belgium, Brussels | المتاحف الملكية للفنون الجميلة، بروكسل
ينقل بروغل بيت لحم إلى قرية فلمنكية في مساء شتوي، يصطف أهلها في الثلج أمام طاولة يسجّلهم عندها موظف ويجبي منهم الضريبة. وبين الواقفين يوسف ومريم على حمارها، عائدين إلى مدينة أجدادهما ليُسجَّلا فيها، ولا شيء يميزهما عن بقية الحشد. فالمقدس يصير واحداً من الطابور، وابن المكان يُعدّ في مكانه. وعلى جدار النُزل لوحة صغيرة عليها النسر الهابسبورغي، تذكّر بمن يملك الطاولة. فالمساواة هنا مساواة أمام الجابي، لا معه. وفي 8 تشرين الثاني 1948، تحت حظر التجول، سجّلت إسرائيل من بقي من الفلسطينيين ومنحتهم أرقاماً. ثم جعل قانون أملاك الغائبين كثيرين منهم «غائبين» وهم حاضرون في بلادهم. ومنذ ذلك اليوم يقف أبناء المكان أمام الطاولة نفسها: يتم احصاؤهم، بدون أن يجلسوا عليها.



