ما الفرق بين الدكتاتور الكلاسيكي والسلطة التي تدّعي أنها ثورية؟ حين درس عالم الاجتماع ماكس فيبر أسس الشرعية السياسية في مطلع القرن العشرين، صنّف مصادرها في ثلاثة أنواع: التقليدية القائمة على الموروث والعرف، والكاريزمية المستندة إلى الزعامة الشخصية والإلهام، والقانونية العقلانية المبنية على المؤسسات والدستور. لكنه افترض في جميع الحالات شيئاً واحداً ضمنياً: أن كل جهة تطلب السلطة تسعى إلى احتكار الدولة أو التحكم بها، لأن الدولة هي الإطار الذي تُمنح منه الشرعية وتُمارَس عبره. حتى لويس الرابع عشر حين قال عبارته الشهيرة “أنا الدولة والدولة أنا”، لم يكن يتجاوز الدولة بل يستوعبها ويختزلها في شخصه. الملك المطلق كالدكتاتور الكلاسيكي يحتاج الدولة حاجةً وجودية، كما يحتاج الطفيلي إلى الجسم الذي يتغذى عليه. بلا دولة لا شرعية، وبلا شرعية لا سلطة.
أما المنطق الذي جاءت به السلطة إلى دمشق فيختلف من حيث البنية، وهذا هو جوهر الإشكال. السلطة تقول إن مصدر شرعيتها سابق للدولة ومستقل عنها، شرعيتها هي في الانتصار العسكري و“التحرير” والتمثيل الديني والامتداد التاريخي، وهي بذلك تضع نفسها تعريفاً فوق مساءلة المؤسسات، بل فوق فكرة المؤسسات نفسها. الدولة في هذا المنطق مجرد أداة إدارية تُنشأ لتسهيل الأمور، لا إطار محاسبة ولا مصدر مشروعية. فهذه السلطة لا تحتاج إلى جسم سياسي حكومي يحمل المسؤولية السياسية، بل تحوّله إلى مجرد وزارات منفصلة لتقديم الخدمات. وهي ترى البرلمان حالة زائدة عن الحاجة، لأنها تشرّع وتعدّل وتقرر عن المجتمع كله بنفسها. ولا تحتاج إلى قضاء دستوري ولو شكلياً، بل تحوّل القضاء إلى أداة داخلية لفض النزاعات لا إلى سلطة مستقلة لها بعدها السياسي والتأسيسي في بنية الدولة. وهي تفوّض الأمراء المحليين بكامل صلاحيات الحكم المحلي وآلياته. هذا كله تحوّل نوعي لا يعني فقط أننا أمام سلطة استبدادية جديدة، بل أمام استبداد من نوع أصعب على المقاومة: لا يحتاج إلى الاحتجاج بالمؤسسات ولا إلى الاحتماء بها، فلا يمكن تحديه عبرها. التجارب الثورية، من الثورة الفرنسية إلى إيران الخميني، حتى ثورة الضباط الأحرار في مصر، واجهت هذا الامتحان بالضرورة: هل تتحول الشرعية الثورية إلى شرعية مؤسسية، أم تبقى طافيةً فوق الدولة وتُلغي معناها؟ من استطاع أن يُؤسّس دولةً أنجز شيئاً. من رفض هذا التحول بقي في مرحلة الغنيمة، أو ربما طورها إلى نظام عصبي ممسك بخناق الدولة.
السؤال إذن ليس فقط هل يمكن بناء دولة في ظل سلطة تؤمن أصلاً بأن الدولة ثانوية، بل: ما الذي يملكه المجتمع حين تُغلق في وجهه أبواب المساءلة المؤسسية؟ الجواب ليس الانتظار، بل الانتقال إلى ميادين أخرى للصراع، أكثر بعداً من صناديق الاقتراع أو التمثيل السياسي، ومختلفة عن العمل داخل بنية مؤسسات الدولة وقوانينها، لكنها أكثر التصاقاً بطبيعة الخصم الذي تواجهه.
الميدان الأول هو السرد نفسه. سلطة تبني شرعيتها على ادعاء انتصار وتحرير، وعلى بعد ديني وامتداد تاريخي، وعلى خطاب الهيمنة وخطاب المظلومية، هي عملياً تطرح ادعاءً قابلاً للنقض، وليس حقيقة نهائية. فالبعد الديني ليس ملكاً حصرياً لجهة واحدة؛ هناك دوماً مرجعيات وقراءات أخرى تنازع احتكار الكلام باسم الدين. والامتداد التاريخي سؤال عن أي تاريخ، ولمن، وبأي انتقائية يُروى، والمظلومية حتى عندما تكون محقة تقابلها مظلوميات أخرى لا تقل عنها أهمية في الضمير المجتمعي. حين تضع سلطة شرعيتها خارج المؤسسات، فإنها تضعها أيضاً في متناول كل من ينازعها على التأويل نفسه. وهذا صراع لا يُدار من داخل مؤسسات الدولة المُفرَّغة من مضمونها، بل في الفضاء العام الذي ادّعت السلطة احتكاره.
الميدان الثاني هو التضامن الأفقي في مواجهة التشظي. شرعية مبنية على سردية بعينها تستبعد بالضرورة أجزاء من المجتمع لا تتطابق معها، دينياً أو مناطقياً أو سياسياً. ورد الفعل الغريزي، المتمثل في الانكفاء إلى الدفاع الذاتي الطائفي أو المناطقي كما شهدته السويداء أو الساحل أو الحسكة، مفهوم، لكنه يخدم في النهاية سردية السلطة نفسها: أنها وحدها القادرة على ضبط بلد مهدد بالفوضى. الآلية الأكثر فاعلية هي عكسية: تقاطع مطالب هذه الجماعات المتفرقة حول مطلب واحد، المواطنة الفعلية والمشاركة المؤسسية، بدل أن تتقاتل كل جماعة على حمايتها الخاصة.
الميدان الثالث هو الشارع كأداة محاسبة موازية. حين تُفرَّغ المؤسسات من مضمونها، يصبح الاحتجاج اليومي على الأجور والخدمات والعدالة القناة الوحيدة المتبقية للمطالبة، كما تُظهر الاحتجاجات المتكررة في دير الزور وحلب والحسكة منذ بداية ما سمي بالمرحلة الانتقالية. وهذه الأداة تحمل ثقلاً حقيقياً لأن السلطة لا تستطيع تجاهلها بوصفها “معارضة مؤسسية” يسهل تحييدها كما تفعل الديكتاتوريات الكلاسيكية مع البرلمانات الصورية. لكن قيمتها تتضاعف حين تتطور من احتجاجات مطلبية متفرقة على الخدمات تُرفع إلى صاحب القرار، إلى مطالب ثابتة بالمشاركة في صياغة القواعد ذاتها: الدستور، الحوار الوطني، صياغة القوانين، آليات العدالة الانتقالية، الحكم المحلي، العدالة الاقتصادية، وتمثيل المكونات، والأمن المحلي، وغيرها من القضايا التأسيسية في بناء الدولة.
وهنا يكمن جوهر الفخ الذي تصنعه هذه الميادين الثلاثة مجتمعة لا كل واحد منها بمفرده. نزع حصرية السرد يحرم السلطة من الادعاء بأن شرعيتها فوق النقاش أصلاً. والتضامن الأفقي يحرمها من الذريعة التي تبرر تفردها بالحكم، وهي زعمها أنها وحدها القادرة على ضبط بلد مهدد بالفوضى. والشارع، حين يتحول من مطالب خدمية متفرقة إلى مطلب ثابت بالمشاركة في صياغة القواعد، يحرمها من القدرة على تأدية أبسط وظائف أي سلطة دون أن تدفع ثمناً سياسياً متصاعداً. وهذا الضغط المركب هو ما ينصب الفخ الحقيقي. إن أصرّت السلطة على إبقاء شرعيتها طافية فوق الدولة، وواصلت تفويض البيروقراطية والحكام المحليين بحل القضايا بدل بناء مؤسسات تتحمل المسؤولية، فإنها تواجه تآكلاً متزامناً في ثلاثة مصادر لقوتها معاً: سرديتها، وادعاء تفردها بضبط البلاد، وفعاليتها في الحكم، فتتآكل شعبيتها من الداخل. وإن استجابت تحت هذا الضغط المركب، ولو جزئياً، للمشاركة والمساءلة، فإنها تكون قد دخلت، رغماً عنها، إلى المنطق المؤسسي الذي تتخيل أنها فوقه، أي إلى ما سمّاه فيبر الشرعية القانونية العقلانية. الصراع المجتمعي بهذا المعنى، حين تتضافر ميادينه الثلاثة، ليس مجرد مقاومة لذاتها، بل الآلية التي تُجبر ادعاءً ثورياً أو كاريزمياً إما على أن ينضج إلى حكم قابل للمحاسبة، أو أن ينهار تحت وطأة رفضه هذا النضج.
وبصرف النظر عن أي الاحتمالين يتحقق، يكون المجتمع قد ربح شيئاً لا تملك السلطة استرداده: استعادة جزء من الفضاء العام عبر ممارسة الفعل الجماعي نفسه. فهذا الفضاء حُرم منه المجتمع عقوداً طويلة في ظل النظام السابق، وظن مع سقوطه أنه استعاده أخيراً، ليُفاجأ باحتكار من نوع آخر: لا يقوم على احتكار المؤسسات وحده كما كان، بل على احتكار السردية نفسها ومفهوم الوطنية، أي من يُسمح له أصلاً بالحديث باسم البلد. فاستعادة هذا الفضاء، ولو جزئياً وبالصراع لا بالمنحة، إنجاز لم يتحقق طوال عقود.
فالدولة لا تُبنى بقرار من سلطة تراها ثانوية، بل تُفرض عليها كخيار لا تستطيع رفضه. والسؤال السوري اليوم ليس فقط هل تستطيع هذه السلطة أن تبني دولة، أو كم من الوقت تحتاج للوصول لهذا البناء، بل هل يستطيع المجتمع أن يجعل امتناعها عن ذلك ثمناً باهظاً إلى الحد الذي يُحوّل الامتناع نفسه أو المماطلة فيه إلى خيار مستحيل.
“الفضاء العام يُستعاد بالصراع، وليس بإعطاء الوقت أو انتظار المنح”
Eugène Delacroix, La Liberté guidant le peuple, 1830. Huile sur toile, musée du Louvre.
Eugene Delacroix, Liberty Leading the People, 1830. Oil on canvas, Louvre Museum.
أوجين ديلاكروا، الحرية تقود الشعب، 1830. زيت على قماش، متحف اللوفر



