أقدّر الجهد الكبير الذي قامت به أصالة في محاولة جمع السوريين في لحظة احتفال تتسع لكل المحافظات السورية. وبالتأكيد حاولت أن تقترب من مساحة وسط بين السوريين، وأن تجمعهم بطريقتها وحسب مقاربتها للأمور. وهذه محاولة تستحق التقدير، خصوصاً في بلد صار فيه حتى الفرح موضوعاً للخلاف. لكن هل يكفي الحب حتى يعمّرها؟
تكشف تجربة أصالة، ربما من دون أن تقصد، مشكلة أعمق في مفهوم «الوسطية» الذي نتداوله اليوم. فهي لم تغادر موقعها فعلياً إلى مساحة مشتركة، بل توقفت عند طرفه ومدّت يدها إلى الآخرين. وهذا تطبيق شبه حرفي لوسطية تحاول القفز فوق الواقع: نبقى حيث نحن، ثم نمد فوق المسافة التي تفصلنا عن الآخرين غطاءً عاطفياً من الحب والمشاعر والدموع، على أمل أن يصبح الغطاء مساحة مشتركة.
لا أقلّل من أهمية ذلك. المجتمعات الخارجة من صراعات قاسية تحتاج إلى لحظات فرح، وإلى رموز ومشاعر مشتركة، وربما تحتاج أيضاً إلى شيء من الحب. لكن المشكلة تبدأ عندما نطلب من الحب أن يقوم بوظيفة السياسة، ومن المشاعر أن تقوم بوظيفة الدولة.
أنا أميل إلى مقاربة أخرى، أقل رومانسية ربما، لكنها أكثر صلابة: ليس ضرورياً أن نحب بعضنا كي نستطيع العيش معاً. يمكن للسوريين أن يختلفوا عميقاً، وأن يحملوا روايات متناقضة عما جرى، وأن تبقى بينهم جراح وذاكرات ومخاوف لا تمحوها أغنية ولا احتفال.
ما يحتاجه السوريون من الدولة قواعد يستطيعون جميعاً العيش تحتها، أكثر من رواية عاطفية واحدة تجمعهم: قانون لا يحتاج إلى اتفاقنا كي يحمينا، وحقوق لا تتغير بحسب هوية صاحبها، ومؤسسات تجعل حريتي غير معلقة على رضاك عني، وأمني غير مرهون بانتمائي إلى جماعتك. هذه القواعد هي المساحة الوسط الحقيقية، يقف عليها الجميع من دون أن يتخلى أحد عن روايته.
تحضرني هنا قصة قديمة أجد فيها قاعدة للحكم أهم من كثير من خطابات المصالحة الحديثة. كان أبو مريم الحنفي قد قاتل مع مسيلمة في اليمامة، وتنسب إليه الروايات مقتل زيد بن الخطاب، أخي عمر، الذي كان عمر شديد الحب له. ثم أسلم أبو مريم، والتقى الرجلان لاحقاً وقد أصبح عمر خليفة.
لم يتظاهر عمر بأن الماضي اختفى، ولم يدّع أنه تجاوز مشاعره تجاه الرجل. قال له بوضوح شديد: «والله لا أحبك حتى تحب الأرض الدم المسفوح». فسأله أبو مريم السؤال الذي يلخص المسألة كلها: «فتمنعني لذلك حقاً؟». قال عمر: «لا». فأجابه أبو مريم: «فلا ضير، إنما يأسف على الحب النساء».
العبارة الأخيرة تحمل بالطبع نظرة جندرية نقرأها في سياقها الاجتماعي وزمنها، ولا نحتاج إلى تبنيها اليوم. ومثلها شكل الحكم نفسه: كان عمر يمثل الدولة في شخصه، وكان الحق يومها معلقاً على عدل الحاكم وضميره، أما اليوم فضمانته المؤسسات. لكن ما يسبق العبارة يضع قاعدة سياسية تتجاوز زمن القصة بكثير: لا يلزمني أن أحبك لكي يكون لك حق، ولا يحق لي، عندما أملك السلطة، أن أحوّل كراهيتي لك إلى انتقاص من هذا الحق.
وهنا، بالنسبة لي، تبدأ فكرة الدولة. القصة لم تطلب من عمر أن يحب الرجل الذي تنسب إليه الروايات قتل أخيه، ولا أن ينسى أخاه أو يتخلى عن ألمه أو يعيد كتابة الماضي. طلبت منه أمراً واحداً أصعب من ذلك كله: أن يبقى الحق منفصلاً عن مشاعره وهو يملك السلطة. وتذكر كتب التراجم أن أبا مريم ولي قضاء البصرة في خلافة عمر نفسه. فالحق الذي حفظه عمر امتد من سلامة الرجل إلى المنصب العام، وصار الرجل الذي لا يحبه الخليفة قاضياً في دولته.
وهذا ربما ما نحتاجه في سوريا أكثر من البحث المستمر عن مشاعر تجمعنا. الحب يجعل العيش المشترك أجمل، والفرح المشترك قد يخفف المسافات بين الناس، لكن لا هذا ولا ذاك يستطيع أن يكون أساس الدولة. ما يعمّرها أن يكون لك حق حتى عندما لا أحبك، وأن تكون هناك دولة تضمن ألا أستطيع انتزاعه منك.
Allegoria del Buon Governo | Allegory of Good Government | رمزية الحكم الصالح
Ambrogio Lorenzetti | أمبروجيو لورنزيتي
1338-1339
Affresco | Fresco | جدارية جصّية
Sala dei Nove, Palazzo Pubblico, Siena | Hall of the Nine, Palazzo Pubblico, Siena | قاعة التسعة، القصر البلدي، سيينا
في هذه الجدارية يجتمع أهل سيينا حول ميزان. تمسك الحكمة ميزان العدالة، ومن كفّتيه ينزل حبلان يجتمعان ليشكلا حبلاً واحداً ممدوداً إلى المواطنين فيحملونه حميعاً. فالحبل الذي يجمعهم يبدأ من الميزان.
رسمها لورنزيتي على جدار القاعة التي اجتمع فيها حكّام المدينة، فكانت أمام أعينهم كلما قرروا. وبعد سبعة قرون، ما زال هذا الحبل الذي يتم جدله ببطء أهم من الأغنية وأطول عمراً.



