Multuble standared of Sovereignty
Israel and the Factions of Southern Syria: Yesterday’s Cooperation, Today’s Positions
Between 2013 and 2018, Israel funded and armed at least twelve rebel factions in southern Syria to keep Hezbollah, Iran-backed forces and ISIS away from the occupied Golan, a record that its own chief of staff later partly confirmed. That file was never opened, neither by the opposition then nor by the current authorities, who have placed former faction commanders in security posts while limiting transitional justice to the crimes of the old regime. The article argues for applying the tools of transitional justice, truth-seeking and vetting, to this record, protecting the civilians who crossed the border for medical care while holding to account those who chose to work with an occupying army.
تجاوزت علاقة إسرائيل ببعض الفصائل المسلحة في جنوب سوريا خلال سنوات الحرب حدود الاتهام السياسي و الرواية الإعلامية، بل كانت علاقة تمويل وتسليح وتنسيق ميداني امتدت لسنوات طويلة، ووثقتها تحقيقات صحفية استندت إلى شهادات قادة ومقاتلين من الفصائل نفسها، ثم أقرّ رئيس الأركان الإسرائيلي غادي آيزنكوت، في الأيام الأخيرة من ولايته، بجانب منها.
ومع تصاعد الحديث اليوم عن الاحتلال الإسرائيلي وتوغلاته في الجنوب،وعن الاتهامات التي تصدر بحق مجموعات تتعامل مع إسرائيل، تعود هذه العلاقة لتطرح أسئلة عن اتساق المواقف السياسية، وعن المعايير التي تعتمدها السلطة السورية الحالية وداعموها من الناشطين والقيادات المدنية في التعامل مع الاحتلال، وعن موقع هذا الملف من مسار العدالة الانتقالية. لكن النقاش يحتاج أولاً إلى الفصل بين ملفين مختلفين تماماً: المساعدات الطبية التي استفاد منها آلاف السوريين، والتعاون العسكري والمالي بين إسرائيل وفصائل مسلحة، لأن التعامل مع الملفين بمنظار واحد يحمّل مدنيين كانوا بحاجة لتلقي العلاج مسؤولية واقع سياسي وعسكري ربما لم يكونوا طرفاً فيه.
العلاج الطبي: حاجة السوريين واستثمار إسرائيل
بدأت إسرائيل استقبال جرحى ومرضى سوريين منذ عام 2013، ثم أطلقت في حزيران 2016 «عملية الجار الطيب» (Operation Good Neighbor)، التي شملت العلاج في المستشفيات الإسرائيلية ومنشأة طبية قرب الحدود، إلى جانب الأدوية والغذاء والوقود والمولدات. وبحسب الحصيلة التي أعلنها الجيش الإسرائيلي عند إنهاء العملية في أيلول 2018، تلقى أكثر من 4,900 سوري العلاج داخل إسرائيل، بينهم نحو 1,300 طفل، وتلقى نحو 7,000 آخرين العلاج في منشأة «مازور لداخ» الحدودية.
لم يكن هذا النشاط منفصلاً عن الحسابات الأمنية. فقد أعلن الجيش الإسرائيلي نفسه أن من أهداف المساعدات خلق بيئة أقل عدائية على الجانب السوري من الحدود، وجعلت إسرائيل منها وسيلة لبناء علاقات محلية لدى مجتمعات عاشت لعقود في مواجهة دولة تحتل جزءاً من أرضها.
لكن فهم هذه الأهداف لا يبرر إدانة من تلقوا العلاج. ففي تلك السنوات كان الجنوب السوري يعيش تحت القصف والحصار، بعد تدمير المستشفيات واستهداف الكوادر الطبية، ولم يكن أمام كثير من العائلات سوى خيارات محدودة لإنقاذ جريح أو علاج طفل. ولا يجوز مطالبة أم بترك طفلها يموت حفاظاً على موقف سياسي. إسرائيل استثمرت في الحاجة الإنسانية، وهي من يتحمل مسؤولية هذا الاستثمار، ولايمكن تحميل من وقع في حصار بين قصف المشافي والاحتلال و لم يجد طريقا آخر للعلاج، وزر حسابات غيره.
التعاون العسكري: اثنا عشر فصيلاً وتمويل وتسليح لسنوات
يختلف الملف العسكري جذرياً عن الملف الطبي، لأن الحديث فيه يدور حول تشكيلات مسلحة وقيادات ميدانية أقامت علاقات مع الجيش الإسرائيلي وتلقت منه المال والسلاح. ففي 6 أيلول 2018، نشرت مجلة Foreign Policy تحقيقاً للباحثة إليزابيث تسوركوف استند إلى شهادات أكثر من عشرين قائداً ومقاتلاً، وكشف أن إسرائيل موّلت وسلّحت ما لا يقل عن اثني عشر فصيلاً في الجنوب. بدأ التسليح عام 2013 في القنيطرة ودرعا وريف دمشق الجنوبي، وفي العام 2014، وبحسب معلومات موثقة كانت إسرائيل عام 2014، بعد سقوط اللواء 61، تدفع رواتب نحو سبعة آلاف مقاتل ضد الأسد، وتوسع الدعم خلال 2017، ثم توقف في تموز 2018 مع استعادة النظام السيطرة على الجنوب. وشمل بنادق ورشاشات وقذائف هاون وذخائر ومركبات، وأموالاً لشراء السلاح، ورواتب شهرية للمقاتلين. وقدّرت تسوركوف في شباط 2018 أن إسرائيل زودت سبعة فصائل على الأقل، ذكرت منها «فرسان الجولان» و«فرقة أحرار نوى»، ثم سمّى تحقيق Foreign Policy «لواء عمر بن الخطاب» الذي كان ينشط في بيت جن.
ولم تقتصر العلاقة على المال والسلاح. فقد كان قادة الفصائل يتواصلون هاتفياً مع مسؤولين إسرائيليين، ويلتقونهم أحياناً في الجولان المحتل، وقدمت إسرائيل دعماً نارياً لبعض الفصائل في مواجهة تنظيم الدولة في حوض اليرموك، ولم تقدم مثله لهجمات الفصائل على قوات النظام. وفي كانون الثاني 2019 أقرّ آيزنكوت، في مقابلة مع صحيفة Sunday Times، بأن إسرائيل قدمت أسلحة لمجموعات من المعارضة «للدفاع عن النفس». ولا تتوافر قائمة كاملة بالفصائل ولا حصيلة موثوقة بإجمالي الأموال، لكن المنشور يكفي لإثبات برنامج منظم امتد سنوات.
لم يكن دعماً للثورة بل توظيفاً أمنياً للفصائل
موّلت إسرائيل هذه المجموعات لأنها رأت فيها أدوات محلية تمنع وصول حزب الله والقوات المرتبطة بإيران، وتنظيم الدولة، إلى حدود الجولان المحتل. أما الحرية وإسقاط الاستبداد فلم تدخل في حسابها. ولذلك لم تتبنَّ المشروع السياسي للمعارضة، ولم تلتزم بحماية الفصائل التي تعاملت معها. وحين شن النظام، بدعم روسي، هجومه على الجنوب في صيف 2018، أنهت برنامج الدعم، وتركت معظم المقاتلين أمام التسوية أو النزوح، واكتفت بإدخال عدد محدود من القادة وعائلاتهم إلى أراضيها.
وتكشف صيغة العلاقة بين اسرائيل والقيادات العسكرية ما هو أبعد من الاستخدام العسكري. فالدعم كان ينتقل مع القائد إذا غيّر فصيله أو منطقته، أي أن إسرائيل بنت علاقتها مع أشخاص بعينهم، وجعلت من كل واحد منهم وسيطاً بينها وبين مجتمعه المحلي. وفي مناطق محاصرة في ظروف الحرب يتحول من يملك قناة إلى المال والسلاح إلى زعيم محلي في بلدته ويمتلك موقعاً يتجاوز وزنه العسكري الفعلي. وهنا يبقى السؤال مفتوحاً: ماذا بقي من الشبكات التي تكوّنت حول القائد الوسيط بعد تسويات 2018، وأين انتهت بعد سقوط الأسد؟
ومن المسافة بين الشعارات الثورية والشراكة مع الاحتلال تظهر مفارقة لا يمكن تجاوزها: كيف يعلن فصيل انتماءه إلى ثورة من أجل حرية السوريين واستقلال بلادهم، ويقيم في الوقت نفسه علاقة تمويل وتسليح مع قوة تحتل جزءاً من أرضهم وتستخدمه لأولوياتها الأمنية؟ ولا يكفي القول إن هذه الفصائل كانت تقاتل نظام الأسد أو تواجه تنظيم الدولة لتبرير تلك العلاقة. فعدالة القضية التي يرفعها طرف ما لا تمنحه حصانة أخلاقية عن الوسائل التي يستخدمها أو التحالفات التي يقيمها.
أين كان الموقف المبدئي من إسرائيل؟
لم تكن هذه المعلومات أسراراً انكشفت بعد سقوط الأسد. فقد ظهرت التقارير منذ 2017 على الأقل، وجاءت التحقيقات المفصلة في 2018، والإقرار الإسرائيلي في 2019. ومع ذلك لم يتحول الملف إلى قضية مساءلة عامة داخل أوساط المعارضة، ولم يتبلور موقف جماعي يرفض مبدأ التمويل الإسرائيلي أو يطالب بكشف المستفيدين. صدرت انتقادات متفرقة، ولم يوافق جميع السوريين والمعارضين على تلك العلاقات، لكن الانتقاد المتفرق شيء، والموقف المبدئي والمساءلة العلنية شيء آخر.
ومن هذا الصمت يكتمل الإطار السياسي للمفارقة السابقة: كيف يمكن لمن يرفع اليوم صوته ضد إسرائيل دفاعاً عن السيادة أن يتجاهل تلك العلاقات أو يمتنع عن مساءلة من أقاموها؟ وكيف يمكن لمن يقدّم نفسه قائداً لعمل مدني يسعى إلى السلم الأهلي وترسيخ السيادة الوطنية ويرفض الاحتلال أن يسكت عن فصائل وقيادات يعرفها بالاسم ويعرف تعاملها مع إسرائيل، فلم ينتقدها سابقاً ولا ينتقدها اليوم؟ فالموقف المبدئي من الاحتلال لا يجوز أن يتغير بتغير موقع الشخص من السلطة القائمة.
مسؤولية السلطة: ملف خارج ولاية العدالة الانتقالية
ولا تتوقف المساءلة عند الفصائل. فهي تمتد إلى السلطة السورية الحالية، التي أدمجت شخصيات من التشكيلات المسلحة السابقة في مؤسساتها الأمنية والعسكرية. ففي الأشهر الأولى بعد سقوط الأسد، عيّنت قادة سابقين في فصائل الجنوب مسؤولين أمنيين في مدنهم، وبعض هذه المدن كان معقلاً لتشكيلات ورد اسمها في التقارير عن الدعم الإسرائيلي. ولا يثبت ذلك أن أياً منهم تلقى مالاً من إسرائيل، لكنه يطرح سؤالاً لم تجب عنه السلطة: هل تحققت من تاريخ علاقاتهم قبل أن تسلّمهم مواقع أمنية حساسة؟ ولماذا لا تفتح تحقيقاً يكشف من تلقى الأموال والأسلحة، وما الخدمات أو الالتزامات التي قدمها في المقابل؟ فالسلطة التي تطالب السوريين بالوقوف خلفها في مواجهة الاحتلال مطالبة بدورها بتوضيح كيفية تعاملها مع إرث التعاون العسكري والمالي معه.
الاجابات عن هذه الأسئلة لا تجد لها موضعا في المسار الرسمي المفترض للعدالة الانتقالية. ففي أيار 2025 أصدر الرئيس الانتقالي أحمد الشرع المرسوم رقم 20 بتشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، وحصر ولايتها في الانتهاكات الجسيمة التي تسبب بها النظام السابق. وهذه الحصرية في الولاية تترك خارجها كل ما فعلته الأطراف الأخرى خلال الحرب، ومنه علاقات الفصائل المسلحة في الجنوب بجيش دولة تحتل أرضاً سورية.
ليست المسألة إدانة كل من انتسب إلى تلك الفصائل، وإنما تطبيق أدوات العدالة الانتقالية نفسها على هذا الملف. كشف الحقيقة يحدد من تلقى المال والسلاح، وما الذي قدمه في المقابل. والتدقيق في السجلات قبل التعيين يحوّل هذا الكشف إلى ضمانة مؤسسية، فلا يصل إلى موقع أمني حساس من لم تفحص جهة مستقلة تاريخ علاقاته. وإصلاح المؤسسات الأمنية هنا هو ضمانة أساسية من ضمانات عدم التكرار، لأن الدولة التي تدمج في أجهزتها، من دون فحص، شبكات بناها الاحتلال قد تترك له قنوات مفتوحة داخلها. ويكفي هنا أن ينتهي التدقيق إلى إجراء إداري يحجب صاحبه عن موقع أمني بدون الحاجة إلى اتهام جنائي، فالمسؤولية الجنائية تتطلب إثبات أفعال محددة وقانوناً واجب التطبيق وإجراءات عادلة، بينما يكفي هنا التحوط والضبط.
وهذا الطريق يحمي التمايز في التعامل بين التعامل الطبي والعسكري، فكشف الحقيقة الذي يسمّي أصحاب القرار السياسي والعسكري يرفع الشبهة عن آلاف المدنيين الذين عبروا الحدود للعلاج، ويمنع تحويل الملف إلى وصمة تلاحق بلدات بأكملها، أو إلى أداة تستعملها السلطة انتقائياً ضد خصومها. ولا يستقيم أن يصبح التعامل مع إسرائيل مسألة سيادة حين يتعلق بخصوم السلطة، ثم تتركه السلطة بلا مساءلة حين يتعلق بمن انضموا إلى مؤسساتها.
الموقف من الاحتلال لا يتغير بتغير السلطة
تبدأ استعادة السيادة من رفض التوغلات الإسرائيلية الحالية، لكنها لا تكتمل من دون مراجعة العلاقات التي سمحت لإسرائيل ببناء نفوذ محلي خلال سنوات الحرب. وتحافظ هذه المراجعة على الفارق بين إنسان اضطر إلى البحث عن علاج، فمارس حقاً لا يجوز تجريمه، وقائد اختار إقامة علاقة مع جيش يحتل أرض بلاده، فاتخذ قراراً يستوجب المساءلة.
وإذا كان التعامل العسكري والمالي مع إسرائيل مرفوضاً اليوم لأنه يمس السيادة، فقد كان يستوجب الاعتراض بالأمس للسبب نفسه. فالعدو لا يصبح صديقاً لأنه يساعد خصوم خصمنا، ولا يعود عدواً فقط حين تتعارض مصالحه مع مصالحنا. ولا معنى لموقف وطني من الاحتلال إذا كان مشروطاً بهوية من يتعامل معه، ولا للمطالبة بالسيادة إذا كانت تنتهي عند حدود مصالح القوى الحاكمة.
* * *
Stützen der Gesellschaft | Pillars of Society | أعمدة المجتمع
George Grosz | جورج غروس
1926
Oil on canvas | زيت على قماش
Neue Nationalgalerie, Berlin | المعرض الوطني الجديد، برلين
رسم غروس هذه اللوحة عام 1926، قبل سبع سنوات من وصول النازيين إلى الحكم، وسمّاها ساخراً «أعمدة المجتمع» . في مقدمتها رجل قانون بنظارة أحادية وكأس بيرة، وعلى ربطة عنقه صليب معقوف. وخلفه صحفي يعتمر مبولة ويحتضن صحفه، وسياسي يرفع راية الاشتراكية ويتصاعد الروث من رأسه، وقسّ يبارك والجنود من ورائه يقتلون والمدينة تحترق. هؤلاء هم من يُفترض أن يحملوا المجتمع: القانون والصحافة والسياسة والدين. وفي اللوحة هم من يهدمونه، لأنهم يتكلمون بالمبادئ ويكيّفون معاييرها مع من يملك القوة. ولا تحتاج هذه النخب إلى تبنّي مشروع السلطة حتى تخدمه. يكفيها أن تدين ما يفعله الخصوم وتسكت عما يفعله الحلفاء، فتساعد السلطة على الوصول إلى الحكم وعلى البقاء فيه.



