ليست هذه جملة إنكارية للواقع بقدر ما هي توصيف لطريقة حكم تعيد تشكيل هذا الواقع من جذوره. المسألة لا تتعلق بخطبة عابرة أو قرار إداري بإلغاء عطلة، بل بمنطق عميق يعيد تعريف كل شيء: من هو الشهيد، من هو المواطن، وما الذي يجعلنا “نحن”.
عيد الشهداء، في أساسه العميق، لم يكن مجرد ذكرى لإعدامات عام 1916 التي قام بها جمال باشا السفاح، بل لحظة تأسيس لفكرة جامعة: أن هناك مجتمعاً سياسياً واحداً، يتساوى أفراده في الحق بالانتماء، وأن من يُضحّي لأجله يُكرَّم بصفته جزءاً من هذا الكل. الشهداء الذين أُعدموا في ساحتَي البرج والمرجة لم يكونوا من طائفة واحدة ولا من ملة واحدة، بل كانوا عرباً جمعتهم فكرة لا هوية فرعية، فكانت الشهادة فعلاً توحيدياً، تُذيب الفوارق ولا تُعيد إنتاجها، ومرتبطة بالدفاع عن مجتمع يتسع للجميع وليس بالانتماء إلى جماعة بعينها.
لهذا فإن ما يجري اليوم ليس مجرد إلغاءً لهذه الفكرة بقرار مباشر، بل تفكيكها وتحطيمها من الداخل، فالشهادة لم تعد مفهوماً جامعاً، بل تحولت إلى معيار فرز على أساس الانتماء، وحتى لو لم يُعلن عن هذا المعيار بصراحة، ولكنه يمارس بشكل فعلي ويُفهم من خلال من يُحتفى به ومن يُهمَّش، من يُدرج في الذاكرة الرسمية ومن يُدفع خارجها. ثمة تعريف آخر للشهيد بات يسري في المؤسسات والمناهج والخطاب الرسمي، تعريف لا يسأل: دفاعاً عن أي وطن مات هذا الرجل؟ بل يسأل: إلى أي صف وعقيدة ينتمي؟
هنا تحديداً ينتقل النقاش من مستوى الخطاب إلى مستوى البنية. السلطة لا تحتاج أن تقول إننا لسنا شعباً واحداً، يكفي أن تعيد ترتيب العلاقة بين الأفراد على أساس الولاء لا الحق، وعلى أساس المطابقة لا المواطنة. حين تتحول المؤسسات من أدوات عامة إلى أدوات فرز، وحين يصبح الانتماء امتيازاً مشروطاً، فإن فكرة “الشعب” تتآكل وتذوب، حتى لو بقيت الكلمة مستخدمة في الخطاب المتداول.
ليست المشكلة في وجود اختلافات داخل المجتمع، فكل المجتمعات متعددة بطبيعتها. المشكلة في كيفية إدارة هذا التعدد: هل يُنظر إليه كمعطى يجب تنظيمه ضمن عقد جامع، أم كخطر يجب احتواؤه عبر إعادة تعريف من يحق له أن يكون جزءاً من الكل؟ في الحالة الثانية، لا يعود هناك “شعب” بالمعنى السياسي، بل جماعة مهيمنة تعيد إنتاج نفسها عبر أدوات الدولة.
وهذا ما يجعل إلغاء عطلة أو تراجع احتفالية مناسبة وطنية أمراً كاشفاً، لا تفصيلاً إدارياً. التقويم ليس بريئاً، والذاكرة الرسمية ليست محايدة. حين تُسحب صفة العيد عن مناسبة كعيد الشهداء، وتُحاط بمبررات تتحدث عن حساسيات إقليمية ومراعاة لهذه العلاقة أو تلك، فإن ما يجري في الحقيقة أعمق من الدبلوماسية: إنها إعادة تصنيف اللحظة التأسيسية نفسها، من ذاكرة مشتركة إلى ذكرى قابلة للتأويل أو الإهمال.
النتيجة ليست فقط انقساماً اجتماعياً، بل تحوّل في طبيعة العلاقة بين الفرد والدولة. لم يعد الفرد مواطناً بحكم انتمائه القانوني، بل طرفاً يُختبر انتماؤه باستمرار. ولم تعد الدولة إطاراً يضمن المساواة، ولو بالمعنى النظري، فالنظام الذي مارس الإقصاء خلسةً لم يكن يستطيع الإعلان عنه، لأن شرعيته كانت مستندة إلى فكرة الدولة الجامعة، وهذا التناقض بين الممارسة والمبدأ كان يُبقي المبدأ حياً كمعيار للمطالبة. أما اليوم فقد سقط هذا الاضطرار، وباتت الشرعية تُبنى على أساس لا يحتاج إلى خطاب المساواة أصلاً، فلا يُحرجه غيابه، ولا تجد المطالبة به مبدأً يُستند إليه.
الخروج من هذه الحلقة لا يكون بإعادة ترديد شعارات الوحدة، ولا بإنكار واقع التفكك، بل بإعادة بناء الفكرة التي فُككت: فكرة الانتماء كحق، لا كمنحة. الشهداء الذين أُعدموا في ساحتَي البرج والمرجة لم يمرّوا على أحد يسألهم عن هويتهم قبل أن يُشنقوا، وهذا بالضبط ما يجعل ذكراهم أوسع من أي تعريف ضيق يُراد تحميلها إياه. أي حديث عن شعب، دون استعادة هذا الأساس، سيبقى مجرد لغو لا يُعوُّل عليه.
#سوريا_لك_السلام



