في الخامس من تشرين الأول 2025، قبل يوم واحد من الذكرى الثانية والخمسين لحرب تشرين، أصدر الرئيس الانتقالي أحمد الشرع المرسوم 188 الذي أعاد تحديد العطل الرسمية في سوريا. حذف المرسوم عطلة السادس من تشرين، وحذف معها عيد الشهداء في السادس من أيار، وأضاف ذكرى «الثورة» في الثامن عشر من آذار و«يوم التحرير» في الثامن من كانون الأول. وبعد أشهر أعلن محافظ دمشق مروان إدلبي تغيير اسم حديقة تشرين، أكبر الحدائق العامة في العاصمة، إلى «حديقة الأمويين». يعود السادس من تشرين هذا العام إذاً بلا مناسبة رسمية وبلا حديقة تحمل اسمه، بعد أن حسمت السلطة الانتقالية بقرارات إدارية سؤالاً لم يأخذ النقاش العام فيه مداه بعد: ماذا نفعل بذاكرة هذه الحرب بعد سقوط النظام الذي صادرها؟
الجدل حول الحرب ليس جديداً؛ ففي كل عام يعود السؤال نفسه تقريباً: هل كانت تشرين انتصاراً كما قالت الرواية الرسمية طوال نصف قرن، أم هزيمة غلّفتها السلطة بشعارات النصر؟ هل كانت حرب تحرير، أم حرباً محدودة رمّمت بها السلطة شرعيتها بعد حزيران؟ وما موقع حافظ الأسد فيها: قائد «حرب التحرير» كما صنعته الدعاية الرسمية، أم وزير الدفاع في 1967 الذي حمّله خصومه ضياع الجولان؟ هذه أسئلة مشروعة، وبعضها يحتاج إلى مراجعة تاريخية أكثر جدية مما تسمح به روايتا السلطة ومعارضيها. لكن قرارات السلطة تقدّم سؤالاً أسبق منها جميعاً: لمن تنتمي حرب تشرين أصلاً؟
والسؤال يأتي اليوم من جهتين. صادر النظام هذه الحرب عقوداً حتى صارت فصلاً في سيرة رئيسه، ثم جاءت السلطة الجديدة فحذفت ذكراها بدلاً من أن تحررها. يبدو الموقفان متعاكسين، لكنهما يتعاملان مع تشرين بالمنطق نفسه: ملكٌ للسلطة، يحتفل به من يملكه ويلغيه من يرثه. والحرب في الحقيقة ملك للسوريين الذين خاضوها وعاشوها، وتبدّل السلطات وتغير خياراتها لا يعيد كتابة تاريخ المجتمع. ومن هنا يمكن أن يبدأ استرداد هذا التاريخ.
من تشرين السوريين إلى «بطل التشرينين»
بدأت المصادرة بالوصل بين تشرينين. في تشرين الثاني 1970 حسم حافظ الأسد صراعه داخل الحزب وأطاح برفاقه في قيادته، وفي تشرين الأول 1973 كان السوريون أمام جيش يقاتل على الجولان المحتل. وصل الخطاب الرسمي الحدثين حتى صار الأسد «بطل التشرينين»، وصارت «الحركة التصحيحية» المشروع الذي أعدّ البلاد للحرب، وصارت الحرب البرهان على صحة المشروع وحكمة قائده. بهذا منح تشرين 1973 تشرين 1970 شرعية لم يكن يملكها بذاته، وتحوّل الاستيلاء على السلطة، بأثر رجعي، إلى بداية الطريق نحو استعادة الكرامة.
وتغيّر مع هذا الوصل موقع القائد من الحدث. أن يكتسب رئيس الدولة رمزية من حرب قادها أمر مفهوم في سياقه، لكن الخطاب الرسمي حوّل نصيب القائد في حدث وطني إلى ملكيته للحدث نفسه. صارت تشرين تُروى حرباً صنعها حافظ الأسد وخاضها السوريون تحت قيادته، بعد أن كانت حرباً خاضها السوريون وكان الأسد رئيس دولتهم خلالها. يبدو الفارق بين الصيغتين صغيراً، لكنه حاسم في بناء الذاكرة: في الأولى المجتمع صاحب التاريخ والقائد أحد فاعليه، وفي الثانية القائد صاحب التاريخ والمجتمع حاضر داخله. وكلما اتسعت ملكية النظام لتشرين ضاقت ملكية السوريين لها.
من رواية النصر إلى رواية المسرحية
أنتجت هذه المصادرة بعد عقود مفارقة قاسية. حين انهارت صورة الأسد لدى قطاع واسع من السوريين، صارت الذاكرة التي ألصقها بنفسه موضع شك هي الأخرى، ونجح النظام في ربط تشرين باسمه إلى حد أن التخلص منه صار، عند بعض السوريين، يقتضي التخلص منها. وفي مواجهة رواية تقول إن الأسد صنع الانتصار، ظهرت رواية معاكسة تختصر التاريخ في عبارة واحدة: «الأسد باع الجولان في 1967، ثم صنع حرباً شكلية في 1973 ليغطي على جريمته». تجمع هذه العبارة وقائع مثبتة وأسئلة مشروعة واتهامات لم تثبت تاريخياً بالطريقة نفسها.
ثمة ما يستوجب المساءلة الجدية عن 1967. كان حافظ الأسد وزيراً للدفاع، وكانت الهزيمة كارثية، وأعلنت وزارته سقوط القنيطرة قبل أن تدخلها القوات الإسرائيلية. هذه أسئلة لا ينبغي دفنها تحت قداسة تشرين. لكن المسؤولية عن الهزيمة شيء، وإثبات قرار متعمد بـ«بيع الجولان» شيء آخر يحتاج إلى دليل على صفقة أو تفاهم، ولا يكفي فيه الاستدلال من سوء إدارة الحرب. والأمر نفسه يصدق على «المسرحية»: يمكن نقد أهداف الحرب وإدارتها ونتائجها، لكن الحرب نفسها وقعت، وقاتل فيها جنود سوريون ومات كثيرون منهم.
لدينا إذاً اختزالان متعاكسان في الظاهر، لكنهما في العمق يجعلان الشخص نفسه مركز التاريخ. تقول الرواية الأولى: لأن الأسد قاد الحرب، فالأسد هو تشرين. وتقول الثانية: لأن الأسد كان مستبداً واستخدم تشرين، فتشرين مسرحية. وفي الحالتين يختفي السوريون مرة أخرى خلف صورة القائد. لسنا مضطرين إلى تسمية الحرب نصراً كي نعترف بأن السوريين قاتلوا لاستعادة أرضهم، ولا إلى تبرئة الأسد من 1967 كي نرفض تحويل اتهام غير مثبت إلى حقيقة تاريخية. تبدأ استعادة الذاكرة حين نكف عن مطالبة التاريخ بأن يختار بين دعايتين.
تشرين قبل الروايتين
والخروج من هذا الاختيار يبدأ بالعودة إلى ما كانت عليه تشرين قبل أن تتنازعها الروايتان. كانت الحرب بالنسبة إلى السوريين محاولة للخروج من جرح لم يمض عليه سوى ست سنوات. في حزيران 1967 احتلت إسرائيل جزءاً من الأرض السورية، وسقطت القنيطرة، ونزح قسم كبير من أهل الجولان إلى الداخل بمن فيهم عائلة الرئيس الانتقالي الحالي. وكان للحرب معناها السوري المباشر: جيش يقاتل لتحرير أرض سورية محتلة، وجنود جاؤوا من مدن وقرى وبيئات مختلفة، وعائلات تعيش الحرب والخوف وانتظار الأخبار.
ترك هذا المعنى أثراً في الوجدان العام أبقى من خطب السلطة. في 1974 عرض التلفزيون السوري فيلم «عواء الذئب» الذي أخرجه شكيب غنام عن واقعة حقيقية في منطقة الزبداني. بطله «أبو عمر»، وأدى دوره الراحل صلاح قصاص، مهرّب مطارد في الجبل بتهمة قتل جمركي، يقع في يده طيار إسرائيلي أسقط السوريون طائرته، فيعرض عليه المال كي يهرّبه. يرفض أبو عمر، ويسلّم الطيار ويسلّم نفسه معه، ثم يقول لزوجته المفجوعة: «ألف حبل مشنقة ولا يقولوا بو عمر خاين يا خديجة».
أنتج التلفزيون الرسمي هذا الفيلم، وضمّنه لقطات من المعارك صوّرتها وحدة السينما في الجيش، فهو ابن المؤسسة التي ستصنع لاحقاً «بطل التشرينين». ومع ذلك، العبارة التي حفظها السوريون منه وما زالوا يرددونها قالها رجل خارج على القانون، ولم يقلها القائد. وضع الوجدان العام الكرامة في يد رجل عادي لا يدين للسلطة بشيء، ولم يحتج هذا الرجل إلى صورة الرئيس كي يعرف أن الأرض أرضه. ولهذا ينبغي ألا نقرأ مشاعر السوريين آنذاك بأثر رجعي من خلال معرفتنا بما صار إليه النظام. الشعور الوطني الذي ولّدته الحرب لم يكن صناعة سلطوية بالضرورة، ولم يكن كل اعتزاز بها اعتزازاً بحافظ الأسد.
يمكن في الواقع قلب اتجاه العلاقة: لم تكتسب الحرب معناها لأن حافظ الأسد قادها، وإنما استطاع الأسد أن يبني جزءاً من رمزيته لأنها حملت معنى حقيقياً لدى السوريين. لا يصح افتراض أن السوريين جميعاً شعروا بالطريقة نفسها، ولا يصح كذلك رد كل اعتزاز وتضامن رافقا الحرب إلى أثر الدعاية. المشاعر الحقيقية لا تصبح زائفة لأن السلطة استثمرتها، والذاكرة الجماعية لا تصبح ملكاً للحاكم لأنه وضع صورته فوقها.
كيف نبني «النحن» ونحن نهدم الذاكرة؟
ما حدث مع ذكرى حرب تشرين يكشف مشكلة أوسع منها. لم يحتكر النظام السياسة وحدها، فقد احتكر الرموز واللغة والمناسبات والتاريخ؛ جعل الجيش «جيش القائد»، وربط الوطنية بالولاء، ووضع صورة الرئيس فوق المدرسة والساحة والمعسكر. ومن المفهوم أن تبدو إزالة رموزه بعد سقوطه جزءاً من استعادة المجال العام. لكن المسافة كبيرة بين إزالة النظام من الذاكرة الوطنية وإزالة الذاكرة الوطنية لأن النظام استولى عليها. إذا احتكر النظام الحديث عن الجولان، هل تصبح قضية الجولان من إرثه؟ وإذا احتكر تشرين، هل نرد بمحوها؟ إن فعلنا ذلك منحنا النظام انتصاراً أخيراً بعد سقوطه، واعترفنا له بملكية كل ما ادعى أنه يملكه.
حكم النظام سوريا أكثر من نصف قرن، ولم يتوقف الناس خلاله عن أن يكونوا سوريين. أحبوا وتعلموا وعملوا، وكتبوا وغنّوا، وخدموا في مؤسسات الدولة، وقاتل بعضهم ومات بعضهم. كانت السلطة فوق ذلك كله وفي داخله، لكنها لم تكن كل ذلك. والهوية الوطنية لا تبدأ من صفحة بيضاء صباح سقوط نظام؛ تحتاج «النحن» إلى تراكم من أماكن وذكريات وحكايات وانتصارات وإخفاقات يستطيع الناس، رغم اختلافهم، أن يقولوا عنها: هذا حدث لنا. والمجتمع الذي يفقد ذاكرته المشتركة قد يصير أكثر تجزؤاً، فتصبح لكل منطقة ذاكرتها ولكل طائفة ضحاياها ولكل جماعة أبطالها، وتضيق المساحة التي يتذكر فيها السوريون أنفسهم جماعة سياسية واحدة.
ولا يعني ذلك الخلط بين سؤال العدالة وسؤال الهوية. العدالة تسمّي المسؤولين والجرائم والضحايا وتفتح الملفات المغلقة، وبناء الهوية يحتاج، إلى جانبها، إلى استعادة ما يستطيع السوريون امتلاكه من تاريخهم المشترك. إدانة النظام لا تقتضي إدانة كل ما عاش في زمنه. ولذلك لا تكفي «إزالة الأسدية» إذا فهمناها عملية حذف؛ المطلوب معها عملية استرداد تفصل الدولة عن النظام، والمؤسسة عن الشخص، والوطن عن السلطة، والذاكرة عن الدعاية.
ويشمل هذا الاسترداد بعداً آخر صادره البعث. كانت تشرين حرباً سورية داخل لحظة عربية: بدأت بهجوم سوري ومصري متزامن وشاركت فيها قوات عربية، لكن الأرض التي قاتل الجيش السوري لتحريرها أرض سورية. جعل البعث القومية العربية إطاراً أعلى يكاد يبتلع الوطنية السورية، واستعادة هذه الوطنية اليوم لا تحتاج إلى الخطأ المعاكس وإنكار البعد العربي من تاريخ السوريين. «النحن» السياسية سورية مهما تعددت دوائر الانتماء، والذاكرة الوطنية ينبغي أن تتسع لمن لا يعرّفون أنفسهم عرباً؛ فالكردي والآشوري والأرمني والشركسي السوري لا يحتاج إلى القومية العربية كي يكون الجولان أرضه، وكي يكون جنوده جزءاً من تاريخه.
لا سلام يمحو الذاكرة
ويضاف إلى ذلك اليوم سؤال العلاقة مع إسرائيل. تفاوض دمشق منذ 2025 على ترتيبات أمنية، وقالت لاحقاً إن أولويتها العودة إلى اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 وانسحاب إسرائيل من المناطق التي تقدمت إليها بعد سقوط النظام. وقال رئيس السلطة الانتقالية في أيلول الماضي إن المحادثات اقتربت من اتفاق قبل أن تتراجع إسرائيل. وفي هذا السياق يمكن أن نقرأ إلغاء المناسبة كما لو أن ذكرى حرب تشرين صارت، في ظل توجه السلطة الجديدة إلى الانتقال من منطق الحرب إلى منطق التفاوض، عبئاً ينبغي التخلص منه.
حتى لو بلغت سوريا وإسرائيل يوماً ما سلاماً كاملاً، فالسلام يغيّر العلاقة بين الدولتين في الحاضر والمستقبل، ولا يلغي التاريخ الذي سبقه. وقّعت مصر معاهدة السلام عام 1979، وبقي السادس من أكتوبر عطلة رسمية ومناسبة وطنية مع تعاقب الرؤساء واختلاف العهود. وفي إسرائيل بقيت حرب يوم الغفران مركزية في الذاكرة العامة، وما زالت إخفاقاتها موضع دراسة ومساءلة منذ لجنة أغرانات.
وهذا ما يعني سوريا تحديداً. إذا جعلنا العلاقة المستقبلية المفترضة مع إسرائيل معياراً لما يجوز الاحتفاظ به من الماضي، ننقل الذاكرة من خدمة سلطة سابقة إلى خدمة سياسة راهنة. يستطيع سوري أن يؤيد السلام أو يعارضه أو يضع له شروطاً، من دون أن يغيّر ذلك أن حرباً وقعت عام 1973، وأن سوريين ماتوا فيها من أجل أرض سورية محتلة. والسلام، إن حدث، يحتاج إلى ذاكرة ناضجة تستطيع أن تقول: هذه أرضنا التي احتلتها إسرائيل، وهذه الحرب التي خضناها، وهؤلاء الذين ماتوا فيها، وهذه قيادتنا أخطأت هنا وأصابت هناك، ثم اختار السوريون طريقاً آخر. لا ينبغي أن نستعمل تشرين لتبرير حرب دائمة، ولا أن نمحوها لتبرير سلام محتمل.
أن نستعيد ما هو لنا
يستحق السادس من تشرين أن نتوقف عنده اليوم لأنه يضع أمامنا سؤالاً سنواجهه مراراً: ماذا نفعل بتاريخ عاشه السوريون ثم استولت عليه السلطة؟ الإجابة الأسهل هي المحو، والأصعب هي الاسترداد: أن نعيد الحرب إلى الذين قاتلوا فيها وعاشوها وفقدوا أبناءهم بسببها، وأن نستعيد الجولان أرضاً سورية بعد أن صار شعاراً لنظام. وللاسترداد طرق ممكنة كثيرة: يوم للذكرى يحمل أسماء الجنود ولا يحمل صورة قائد، عطلةً كان أم لم يكن؛ وأرشيف لشهادات المقاتلين ومهجّري الجولان وعائلاتهم قبل أن يرحل جيلهم؛ ومناهج تدرّس الحرب بأسئلتها كلها، من 1967 إلى ما بعدها، وربما إعادة اسم «تشرين» إلى الحديقة لتبقى الذكرى يومية وشعبية واجتماعية. ما يجمع هذه الطرق أنها تغيّر صاحب المناسبة من القائد إلى المجتمع، والإلغاء يُبقي المناسبة حيث وضعها النظام.
والاسترداد لا يعني التقديس؛ فما يصبح ملكاً لنا يصير من حقنا أن نسائله، وأن نختلف عليه من دون أن ننكر أنه حدث لنا. بعد أكثر من نصف قرن، ربما لم يعد السؤال الأهم إن كانت الحرب تستحق أن تسمى انتصاراً. السؤال هو إن كنا قادرين أخيراً على إخراجها من المعركة بين من أرادها دليلاً على عظمة الأسد ومن أرادها دليلاً على خيانته، وإعادتها إلى مكانها: جزءاً من تاريخ السوريين، مفتوحاً للنقد والبحث والاختلاف، وعصياً على المصادرة، سواء جاءت من سلطة تريد أن تستعمله لتبرير نفسها، أو من سلطة تريد أن تنساه لأن سياستها تغيرت.
#سوريا_لك_السلام
جنود سوريون على قمة جبل الشيخ
أرشيف وزارة الدفاع السورية
جنود يصعدون جبل الشيخ، ظهورهم إلى الكاميرا، ولا تظهر وجوههم. من محفوظات وزارة الدفاع في موسوعتها الرسمية للحرب. الصورة تقول شيئاً لم تقله الموسوعة: رجال بلا أسماء حملوا سلاحهم وايمانهم بوطنهم إلى أعلى الجبل لتحريره. في كانون الأول 2024 عادت القوات الإسرائيلية إلى القمة نفسها، وبعد أشهر ألغت السلطة ذكرى من صعدوا إليها. من حق هؤلاء أن نتذكرهم.





❤️❤️❤️❤️❤️