ليس أمراً عابراً أن يتم تخوين سوسن زكزك واتهامها بالتشبيح للنظام السابق بعد مشاركتها في اعتصام البرلمان. فالمسألة لا تتعلق بقسوة التهمة بقدر ما تتعلق بالمفارقة التي تكشفها. فامرأة أمضت سنوات طويلة في رفض الاستبداد، والدفاع عن حقوق النساء، وتعزيز الحريات والعمل المدني، ومساندة الفئات الأضعف في المجتمع السوري، تجد نفسها متهمة بنقيض كل ما مثّلته وعملت من أجله طوال حياتها.
المشكلة ليست في التهمة بحد ذاتها. بل في منهج التخوين واستخدامه كأداة لإعادة رسم المجال العام. وما حدث مع سوسن زكزك لا يخصها وحدها، بل يخص كل من راكم تجربة أو بنى مؤسسة أو امتلك قضية ودفع ثمنها عبر سنوات طويلة. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا استُهدفت سوسن زكزك، بل ماذا يحدث لمجتمع يصبح فيه الخلاف السياسي مبرراً لإلغاء تاريخ كامل من العمل والنضال بدل التعامل معه بما يستحقه من احترام.
في الشأن العام لا توجد وصفة واحدة للنضال. فالمظاهرة قد تكون فعلاً شجاعاً، والاعتقال ثمناً لموقف مبدئي، والخطابة مصدر إلهام، والعمل اليومي الصامت طريقاً لتغيير حقيقي. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول لحظة واحدة أو تجربة جزئية إلى معيار وحيد للحكم على الناس وتجاربهم.
فقد يشارك شخص في حدث استثنائي أو يتعرض للاعتقال أو يحقق حضوراً إعلامياً واسعاً، وكل ذلك يستحق التقدير. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه التجارب الجزئية إلى المصدر الوحيد للشرعية والتمثيل، بينما يُدفع العمل التراكمي الهادئ إلى الهامش رغم ما راكمه من مبادرات ومؤسسات وخبرات وتأثير طويل الأمد. وهكذا يختل ميزان التقدير العام، لا لأن بعض الأفعال لا تستحق الاحترام، بل لأن لحظات عابرة تتحول إلى بديل عن تقييم مسار كامل من العمل والعطاء.
إذا كان هناك معيار يميز العمل العام المستدام، فهو القدرة على تحويل القناعة إلى مشروع، والموقف إلى ممارسة، والفكرة إلى أثر متراكم. فليس المهم حجم الضجيج الذي يرافق الفعل، بل ما يتركه خلفه من تغيير وقدرة على الاستمرار.
عرفت سوريا خلال العقود الماضية شخصيات وحركات كثيرة، نسائية وسياسية ومدنية ونقابية، ومن مشارب فكرية مختلفة، دفعت أثماناً باهظة دفاعاً عن قضاياها ومبادئها. غير أن بعض التجارب تكتسب قيمة خاصة لأنها نجحت في الجمع بين وضوح القضية، واستمرارية العمل، والقدرة على البقاء فاعلة رغم تغير الأنظمة والسلطات والظروف.
وقد شكّلت رابطة النساء السوريات واحدة من أعمق التجارب في هذا المعنى. فهي من أقدم الحوامل المدنية التي حافظت على استمرارية العمل والتنظيم والرؤية عبر عقود، وتقدّمت إلى المجال العام بوصفها صاحبة قضية ومشروع، لا مجرد رد فعل على حدث عابر. وقد حمل هذا المشروع على عاتقه نساء كثيرات، يتقاسمن التاريخ ذاته والثمن ذاته والعمل ذاته. سوسن زكزك واحدة من هؤلاء، وزميلاتها في الرابطة يستحققن التقدير والاحترام ذاته. غير أن حادثة أمس جعلت اسمها وجهاً لسؤال أكبر منها ومن الرابطة معاً.
سوسن زكزك لم تبنِ تاريخها على المنابر. عملت على تطوير مقترحات الدساتير وقوانين الأحوال الشخصية لتكون أكثر حماية للنساء، ليس فقط العلمانيات أو من يتبنّين خطاباً ثورياً، أو من وُلدن ضمن طائفة بعينها، بل لجميع النساء، بمن فيهن من البيئات المحافظة التي نادراً ما يلتفت إليها النضال العام. وحين جاءت سنوات الحرب وبدأ تحطيم المجتمع، اتجهت إلى مخيمات اللجوء حيث تكدّست النساء الأشد هشاشةً والأقل صوتاً، فعملت على تمكينهن ودعمهن وإخراجهن من الصورة النمطية للمرأة المستضعفة المحتاجة للمعونة.
ليس استهداف سوسن زكزك بالتهم الأفظع في القاموس السوري عملاً عشوائياً، وموجات التحريض ليست مجرد رد فعل عفوي على وسائل التواصل. النماذج التي تمتلك تاريخاً وجمهوراً ومؤسسة هي الأهداف الأولى لأي مشروع هيمنة، لأن تحطيمها يُرسل رسالة لكل من يفكر في بناء شيء مشابه: أن الأصالة عبء، وأن العمل الحقيقي مخاطرة، وأن الأسلم هو الصمت أو الولاء.
المجتمعات لا تُفرَّغ من السياسة دفعة واحدة. يُفرَّغ منها أصحاب الرأي والمبادرة والتنظيم واحداً تلو الآخر، حتى يصبح الصمت أكثر أماناً من الكلام، والانسحاب أكثر جدوى من المشاركة. وحين يحدث ذلك، لا تتحول الساحة إلى فراغ، بل تملؤها القوة المجردة والدعاية والولاءات. هذا بالضبط ما تخدمه حملات التخوين المنظّمة، سواء أدرك القائمون عليها ذلك أم لم يدركوا. فالفارق بين الاستهداف العشوائي والاستراتيجي يكمن في الهدف: تخوين صاحب قضية وتاريخ ومؤسسة يُفرّغ المجال بكفاءة أعلى من أي قمع مباشر، لأنه يعمل بأيدي الناس أنفسهم.
لهذا فإن التضامن مع سوسن زكزك ليس دفاعاً عن شخص، بل دفاعاً عن فكرة: أن عقوداً من العمل والتضحية والبناء لا تُمحى بتهمة عابرة، وأن المجال العام لا يُبنى بالتخوين بل بالقدرة على احتواء الاختلاف وحماية أصحاب القضايا.
فالمجتمعات التي تسمح بتحطيم مناضليها ورموزها المدنية تفقد تدريجياً قدرتها على إنتاج السياسة والعمل العام، وتترك الساحة للقوة المجردة وحدها. وما يُدافع عنه اليوم ليس اسم سوسن زكزك وحده، بل حق السوريين في الاحتفاظ بتجاربهم النضالية وذاكرتهم المدنية وقدرتهم على الاختلاف دون خوف.
في النهاية، لا تُبنى سوريا القادمة بإسكات أصحاب القضايا، بل بالاعتراف بدورهم وحمايتهم. فالمجال العام الذي يُدار بالتخوين لا ينتج مواطنين أحراراً، بل رعايا خائفين، وهذه ليست سوريا التي استحقت كل ذلك النضال من أجلها.



