كم من إمبراطوريات عبرت القرون بكامل جيوشها وأعلامها وطقوس خلودها، ثم تحولت إلى هوامش في كتب التاريخ وحجارة تصلح لتأمل السياح وللنسيان. وكم من أفكار، أو مواثيق، أو لحظات اتفاق إنساني عابرة، عاشت أطول من الملوك والقلاع، لأنها نجحت في أن تصبح معنىً مشتركاً لا مجرد سلطة مفروضة.
وليس المقياس هنا الزمن، بل الشرعية التي تجعل المختلفين يقبلون استمرار العيش داخل القصة المشتركة، حتى حين يختلفون حول أبطالها وتفاصيلها. فالشرعية ليست نتيجة اتفاق كامل، بل نتيجة رفض ترك المؤقت يتحول إلى مصير، والاستباحة إلى نظام، والهيمنة إلى بديل عن العقد الجامع.
الدائم الوحيد هو الشرعية الجامعة؛ الشرعية التي تجعل المختلفين يرون أنفسهم شركاء في المصير نفسه، لا مجرد خاضعين لسلطة واحدة. وما عدا ذلك، فالسلطة مهما امتد زمنها أو ادّعت الأبدية، تبقى مؤقتاً يؤجل سقوطه، لا أكثر.
ولا تُغيّر موجات التهليل شيئاً من هذه المعادلة. فالمؤقت الذي يستعين بالمؤثرين وناشطي الواجهة، ويُجنّد الأصوات لتكريس صورة الشرعية واحتكار تمثيل الواقع، لا يفعل سوى الكشف عن المسافة بين امتلاك السلطة وامتلاك الشرعية. فالشرعية الراسخة لا تحتاج إلى من يُقنع الناس بوجودها، لأنها تُختبر في قدرتها على الاستمرار خارج الضجيج، لا في قدرتها على إنتاجه. والضجيج المصطنع، مهما علا، لا يحوّل الاستباحة إلى عقد اجتماعي، ولا يصنع من سلطة الأمر الواقع مرجعية جامعة.
وكذلك لا تُغيّر التحسينات والمنجزات من طبيعة المؤقت، ما دامت منفصلة عن شرعية جامعة. فالسلطة قد لا تُبقي نفسها بالقوة والهيمنة وحدهما، بل أيضاً بإتقان تأجيل السؤال الأكبر عبر إغراق المجال العام بأجوبة عن أسئلة أصغر، فتتحول الخدمات والتحسينات من أدوات لتحسين الحياة إلى بدائل مؤقتة عن الإجابة على السؤال المؤسس. فالميليشيا تدفع راتباً، والمنظمة تحفر بئراً، والفصيل المسلح يعبّد طريقاً ويشغّل مستشفى؛ لكن شيئاً من هذا لا يصبح أساساً دائماً ما لم يتحول إلى جزء من عقد أوسع يجعل الناس يقبلون الانتماء إلى قصة مشتركة.
الشرعية ليست إدارة، ولا خدمات، ولا مجرد تبدل في وجوه السلطة وأشكالها، كما أنها ليست سردية مفروضة، مهما ارتدت لغة المظلومية أو ادّعت احتكار التحرير. فالخطاب قد يحشد ويعبئ، لكنه لا يصنع وحده شعباً، ولا ينتج وطناً، ولا يؤسس عقداً جامعاً. الشرعية ليست خطاباً ينجح في إقناع الناس لفترة، بل ما يرسخ قبولاً متبادلاً يستمر خارج لحظة الحشد والخوف والحماسة. وهي الأساس الذي يجعل الناس شعباً لا مجرد سكان، والأرض وطناً لا مجرد رقعة جغرافية، والمؤسسة دولة لا مجرد جهاز. وبغيابها يبقى كل تحسن، مهما كانت أهميته لحياة الناس اليومية، عاجزاً عن الإجابة عن السؤال الأكبر: من نحن، وما الذي يجمعنا على هذه الأرض.
فالأبدية ليست ما يبقى طويلاً، بل ما ينجح في التحول إلى معنى. أما السلطة التي تعجز عن إنتاج معنى جامع، فقد تعيش دهراً كاملاً ولكنها في الحقيقة مؤقتٌ طويل العمر.
Le Serment du Jeu de paume
The Oath of the Tennis Court
قسَم ملعب التنس
Jacques-Louis David — جاك-لويس دافيد، 1791
“حين يلتقي المختلفون لا على رأي واحد، بل على رفض أن تكون الاستباحة مصيراً، هذا هو الفرق بين المؤقت والدائم.”




كالعادة .. مقال عميق ومكثف ويستحق التقدير