ليس نجاح الحكم مفهوماً متفقاً عليه في بلدان النزاع وهو يتوقف أولاً على منطق تفكير الجهة التي تطرحه، فإذا كان النجاح يعني أن تبقى السلطة سنوات طويلة، وأن تفرض سيطرتها، وتحصل على الاعتراف، وتدير شؤون البلاد اليومية، فقد يكون هذا النجاح ممكناً. أما إذا كان النجاح يعني بناء دولة يشعر مواطنوها جميعاً بأنها دولتهم، وتقوم على الشرعية الجامعة والعدالة والمواطنة والمؤسسات والفرص المتكافئة، فذلك سؤال مختلف تماماً.
المشكلة أن هذين المعنيين لا يتطابقان بالضرورة، فقد تنجح السلطة في ترسيخ وجودها، بينما تفشل الدولة في أن تولد. وقد يستقر الحكم، بينما يستمر تآكل الثقة والانقسام والتمييز والاحتقان تحت السطح.
سورياً، هناك مفارقة قاسية ينبغي التوقف عندها. فالنموذج الذي قامت عليه السلطة في عهد حافظ الأسد نجح، بلا شك، في البقاء لعقود طويلة، وفي بناء مؤسسات إدارية وعسكرية وأمنية، مستفيداً من شروط أكثر ملاءمة مما هو متاح اليوم: بنية تحتية أقل تدميراً، موارد أكبر، مؤسسات قائمة، جيش موحد، ومجتمع أقل انقساماً، وسياق إقليمي ودولي أكثر قابلية للتنبؤ، ومع ذلك، لم ينجح ذلك النموذج في بناء دولة بالمعنى الكامل للكلمة؛ دولة يشعر السوريون بأنها ملكهم جميعاً، وتستمد شرعيتها من مواطنيها، وتستطيع الصمود أمام الأزمات من دون أن تنفجر تناقضاتها المؤجلة. والدليل ليس تحليلاً نظرياً، بل الواقع الذي نعيشه اليوم.
إذا كان نموذج البقاء والسيطرة قد أخفق في إنتاج دولة في ظل شروط أكثر ملاءمة، فما الذي يدعونا للاعتقاد بأنه سينجح اليوم في ظل شروط أكثر قسوة: مجتمع أكثر انقساماً، اقتصاد أكثر هشاشة، موارد أقل، مؤسسات أكثر ضعفاً، سلاح أكثر انتشاراً، وتدخلات خارجية أكثر تعقيداً؟
من هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس: هل نريد لهذه السلطة أن تنجح أم تفشل؟ بل: ما معنى النجاح أصلاً؟ هل نقيسه بقدرة السلطة على البقاء، أم بقدرة السوريين على امتلاك دولة تستحق أن تبقى؟
هذا ما أحاول اختباره في السطور التالية بعقل بارد وبأكبر قدر من الموضوعية الممكنة، بعيداً عن الانفعالات والمشاعر، بل بناء على المعطيات والمحددات المتوافرة والتجارب التي مرت بها منطقتنا.
أولاً: القوة وحدها لا تكفي
حين ينتصر فريق في حرب ويمسك بزمام الحكم، يكون في يده نوع من السلطة. لكن هذا النوع وحده لا يكفي لبناء دولة. الدولة الحقيقية تحتاج إلى شيء مختلف: أن يشعر من خسروا الحرب ومن لم يكونوا جزءاً من الفريق المنتصر، بأن هذا البلد بلدهم أيضاً. أن يجدوا أنفسهم شركاء لا خاسرين يتحملون نتائج هزيمتهم كل يوم.
المعيار بسيط: هل تُفتح أبواب القرار أمام الجميع أم أن الدخول مشروط بالانتماء للفريق الصحيح؟ حين يكون الجواب الثاني، فما يُبنى ليس دولة، بل تحالف مصالح قد يدوم وقد ينهار، لكنه لن يتحول إلى وطن مشترك.
ثانياً: العدالة ليست للمنتصرين فقط
بعد كل حرب، يبحث الناس عن إجابة لسؤال واحد: من أخطأ بحق من؟ إذا كانت الإجابة تتوقف على ماهية الجهة التي سألت، فلا مصالحة حقيقية ستحدث.
العدالة الحقيقية لها أربعة أركان لا يمكن تجاوزها: أن تُعرف الحقيقة كاملة، وأن يُحاسَب كل من أخطأ بمن فيهم من هم في السلطة اليوم، وأن تُعوَّض الضحايا، وأن توجد ضمانات حقيقية بألا يتكرر ما جرى.
حين تُحاسَب جهة دون أخرى، يسمي ذلك انتقاماً لا عدالة. والانتقام لا يغلق الجراح، بل يضيف جرحاً جديداً فوق القديم. المجتمعات لا تنسى هذا النوع من التمييز، وتبقى نيرانه تحت الرماد لأجيال.
ثالثاً: لا دولة بلا سردية وطنية جامعة
كل دولة تحتاج إلى قصة مشتركة يرى الناس أنفسهم جزءاً منها. لا يمكن أن تقوم دولة مستقرة على رواية تقول لبعض السوريين إنهم أصحاب البلد الحقيقيون، بينما يُطلب من الآخرين الاكتفاء بدور الضيوف أو التائبين أو المهزومين.
السردية الوطنية لا تعني إنكار التضحيات، بل الاعتراف بأن الوطن أكبر من أي جماعة، وأن مستقبل السوريين لا يمكن أن يُبنى على تقسيم دائم بين منتصرين ومغلوبين.
رابعاً: الجماعة المتماسكة والدولة... لا يجتمعان طويلاً
حين تنشأ السلطة من مجموعة متماسكة جمعتها تجربة مشتركة صعبة، سواء كانت حرباً أو نضالاً أو تنظيماً، تكون هذه المجموعة قوية جداً في البداية. لكن قوتها تحمل في داخلها مشكلة: الثقة فيها تسبق القانون، والولاء للجماعة يسبق الولاء للدولة.
هذا ليس حكماً على النوايا، بل وصف لكيفية عمل هذه المجموعات. المشكلة أن الدولة تحتاج عكس ذلك تماماً: قواعد تسري على الجميع بالتساوي، بمن فيهم الذين أسسوا الدولة وحاربوا من أجلها، وحين تبقى المناصب الحساسة لمن تثق بهم الجماعة لا للكفؤين بها، وحين تختلف المعاملة بحسب الانتماء، فالذي يُبنى ليس دولة، بل شبكة نفوذ بواجهة رسمية.
وربما تكون المفارقة الأكثر إيلاماً أن يعمل من يعلنون رفضهم لنموذج الحكم السابق، من حيث لا يشعرون، على استنساخ منطقه البنيوي نفسه الذي يعمل مستقلاً عن إرادة من يمارسه طالما هو داخل بنية “جماعة” حاكمة، فيقوم بإنتاج نسخة أكثر رداءة عن النموذج السابق، عبر الاعتقاد بأن السيطرة تكفي، وأن بناء المؤسسات الشكلية يمكن أن يعوض غياب الشرعية والمواطنة والعدالة.
خامساً: السلاح الذي لا يخضع للقانون خطر على الدولة قبل غيرها
الدولة تعني، في جوهرها، أن السلاح والقوة ملك للجميع ويُمارسان بقواعد الجميع، لا ملكاً لجماعة بعينها تستخدمهما كيفما شاءت.
المشكلة التي تواجهها سوريا اليوم أن فصائل كثيرة تحمل السلاح وتتصرف بمنطق شرعيتها الخاصة المستمدة من تاريخها في الحرب، لا من قانون الدولة، وأن التوحيد الشكلي الذي تم هو مجرد تأجيل لصدام محقق.
هذا الوضع يبدو لكثيرين مجرد مرحلة انتقالية مؤقتة. لكن الخبرة التاريخية تقول عكس ذلك: كلما طال بقاء هذه الفصائل بسلاحها ومصالحها، تجذرت أكثر في الاقتصاد والسياسة المحلية، وأصبح التعامل معها لاحقاً أكثر صعوبة وكلفة وخطورة. التأجيل اليوم لا يحل المشكلة، بل يكبرها.
سادساً: اقتصاد يخدم شبكات النفوذ لا المواطنين
حين يسمع الناس عن استثمارات أو حركة تجارية أو توقيع عقود، فإن السؤال الصحيح ليس: كم عدد العقود؟ بل: من يستفيد منها؟ وما نوع الاقتصاد الذي يُبنى؟
ثمة فرق كبير بين اقتصاد يقوم على الإنتاج الحقيقي، يعيد تشغيل المصانع والمزارع ويوفر فرص العمل، واقتصاد يقوم على العمولات والجباية وفتح الاستيراد بلا رؤية إنتاجية واضحة، بحيث تصبح الرسوم والعوائد السريعة بديلاً عن إعادة بناء الصناعة والزراعة. الأول يبني مجتمعاً له مصلحة في استقرار الدولة. أما الثاني فيبني شبكات زبائنية تدين بالولاء لمن يوزع المكاسب. وحين يجد الشاب أن الفرصة مشروطة بمعارفه لا بكفاءته، وأن الوصول للعمل يمر عبر الولاء لا عبر القانون، يتعلم درساً واحداً: أن هذه الدولة ليست له.
سابعاً: لماذا لا يحدث الإصلاح من تلقاء نفسه؟
يقول البعض: ربما تتحسن الأمور مع الوقت وتتراجع هذه المشكلات تدريجياً. هذا الأمل مفهوم، لكن الواقع يعمل غالباً بعكسه. كل يوم يمر دون إصلاح حقيقي، تزداد مصالح المستفيدين من الوضع القائم رسوخاً. الذين يستفيدون من الاقتصاد كما هو لا يريدون تغييره. الذين يمسكون بالمناصب بحكم الولاء لا يريدون معياراً آخر. الذين يحملون السلاح باستقلالية لا يريدون أن يخضعوا لقانون الدولة. الإصلاح الحقيقي يعني تقليص مكاسب هؤلاء جميعاً، ولذلك فهو لن يحدث تلقائياً، وكلما تأخر، ارتفعت كلفته.
لا أتمنى حدوث الانهيار، ولست راغباً برؤية نتائج الفشل، فالبلاد لم تعد تحتمل انهيارات أخرى. سوريا خرجت من حرب طويلة دمّرت البشر والحجر، والمرحلة بالغة الصعوبة. لكن صعوبة المرحلة ليست عذراً للتهرب من الأسئلة الصعبة.
قد تستمر السلطة سنوات طويلة، وقد تنجح في تثبيت نفسها كأمر واقع. لكن بقاء السلطة ليس هو المعيار الذي تُقاس به نجاحات الدول. المعيار الحقيقي هو: هل يتوسع الشعور بالمواطنة أم يضيق؟ هل تصبح العدالة أكثر شمولاً أم أكثر انتقائية؟ هل يخضع الجميع للقانون أم يبقى بعضهم فوقه؟ هل يتجه الاقتصاد نحو الإنتاج والفرص، أم نحو الريع والزبائنية؟ وهل يشعر السوري، أياً كان موقعه أو انتماؤه، أن هذه الدولة دولته بالفعل؟
إنّ الدول لا تفشل فقط لأنها تنهار، بل قد تفشل أيضاً لأنها تنجح في تثبيت معادلات خاطئة إلى الحد الذي يجعل تغييرها لاحقاً بالغ الصعوبة، لهذا فأخطر ما يمكن أن يحدث لسوريا ليس انهيار نموذج خاطئ سريعاً، بل نجاحه في ترسيخ نفسه حتى يصبح تصحيحه أكثر صعوبة وكلفة. فالنماذج العاجزة عن إنتاج الشرعية الجامعة والعدالة والمواطنة لا تجمّد الأزمات، بل تراكمها، لا تطفئ الانقسامات، بل تعيد تشكيلها وتوسيعها، ولا تؤجل الانفجار فحسب، بل تجعل أي انفجار محتمل لاحق أكثر تعقيداً واتساعاً وارتفاعاً في الثمن الذي سيدفعه السوريون جميعاً.
التشخيص وحده لا يكفي. ثمة مداخل متاحة لمن يريد العمل لا الانتظار: المواجهة المدنية في الفضاء العام، والنضال الثقافي على السردية والذاكرة، والتمثيل المحلي الذي يبني شرعية من القاعدة إلى الأعلى، والأمن المحلي الذي يردم الفراغ قبل أن تملأه الفصائل. هذه ليست حلولاً ناجزة، لكنها مساحات حقيقية يمكن العمل فيها الآن، دون انتظار إذن من أعلى. والأهم أن الفاعلية المدنية ليست رداً مؤقتاً على أزمة، بل عمل أصيل وأولي في حد ذاته؛ إذ إن الفراغ المدني هو أحد الأسباب العميقة لتكرار دورات الاستبداد والعنف، ولسهولة تحطيم الذاكرة الجمعية وتشويه السردية الوطنية في كل مرة.
فثمة فرق كبير بين سلطة تستطيع البقاء، ودولة تستحق أن تبقى. وما يملأ هذا الفرق لا تصنعه السلطات الحاكمة وحدها؛ بل يصنعه كل سوري يبني في المساحات التي لا تزال بيده، ويرفض أن يكون شاهداً صامتاً على مصير بلده.
في فيلم “روما مدينة مفتوحة” عام 1945 Roma città aperta, Rome open city، صوّر روسيليني Roberto Rossellini روما تحت الاحتلال النازي لا كساحة معركة بل كمدينة يعيش فيها الناس ويرفضون الاختفاء. كاهن يتكلم ويُنظّم، يتعاون مع صحفي شيوعي ،وامرأة تُصرّ على حضورها، أطفال يراقبون ويتعلمون. لا يغادرون، لا يعترفون بشرعية السلطة، ولا تعنيهم الثورة العسكرية.
“مدينة مفتوحة” في هذا السياق لا تعني مدينة حرة، بل تعني مدينة لم تُغلَق بعد. السلطة موجودة وتملك السلاح وتملك القدرة النسبية على الإغلاق، لا تستطيع حاليا الوصول للأغلاق الكامل ولا يمكنها السير لبناء دولة. في هذا الفضاء المفتوح تُحسم المسألة الحقيقية: ليس هل تنجح السلطة، بل من يملأ الفضاء قبل أن يُغلَق.
هذا ما يعنيه خطر نجاح السلطة



