بدأ الأمر بطائرة إيرانية كانت تقلّ وفداً حوثياً عائداً من طهران في الثالث عشر من تموز وتحاول الهبوط في مطار صنعاء، فقصفت قوات الحكومة اليمنية مدرج المطار لمنعها من الهبوط، بحجة خرق الأجواء اليمنية. هبطت الطائرة في الحديدة، وفي اليوم نفسه أطلق يحيى سريع صواريخ ومسيّرات على مطار أبها. كثيرون يتابعون اليوم أخبار باب المندب ولا يعرفون أن الحرب عادت من مدرج مطار.
لم تكن الشهور التالية هادئة. في تموز أعلن الحوثيون حصاراً بحرياً على السعودية وبدأوا يضربون سفنها، وفي الخامس والعشرين منه أصابوا مصفاة أرامكو في جازان وأطلقوا صواريخ على ينبع. بين منتصف تموز ومنتصف آب نفّذوا ستة عشر هجوماً على أهداف سعودية، منها سبع منشآت نفطية وست ناقلات. وحتى يوم وقّعت الرياض اتفاقية مكة في السابع من آب، كان مسؤول سعودي كبير يبلّغ رويترز أن معلوماته تشير إلى هجمات يجهّزها الحوثيون وفصائل عراقية بإشراف الحرس الثوري على منشآت الطاقة والموانئ.
في السابع من أيلول قصفت الطائرات السعودية الجوف ومأرب وتعز. وفي اليوم التالي أعلنت الحكومة اليمنية المعترف بها، بدعم سعودي، هجوماً مضاداً هدفه استعادة صنعاء. قال نائب وزير الدفاع على التلفزيون الرسمي إن القرار اتُّخذ، وتحركت القوات على جبهات الجوف ومأرب وتعز والبيضاء. وردّ الحوثيون في اليوم نفسه بموجة مسيّرات وصواريخ باليستية على منشآت أرامكو في الجنوب، فاشتعلت مصفاة جازان مرة أخرى وأصيب ثلاثة وسبعون شخصاً. وقال وزير الخارجية السعودي يومها إن طريق الدبلوماسية ليس مغلقاً. بدت المعركة في أولها معركة الحكومة، وأعلنت تقدماً في الجوف وعلى الساحل.
ثم انقلبت الصورة خلال يومين. هاجم الحوثيون على الساحل الغربي، وصدر الأمر يوم الأربعاء بالانسحاب من المخا بوصفه «إعادة انتشار» بلا تفسير، فسقطت المدينة والميناء في اليوم التالي، وتلتها حيس والوازعية. لم تكن المشكلة في العدد، وإنما في قيادة لم تتوحد. في اليوم نفسه اتصل ولي العهد السعودي بترامب مرتين، وطلب في الاتصال الثاني ضربات أميركية على الحوثيين، فرفض. في الساعات نفسها ضربت مسيّرات قادمة من محافظة ميسان العراقية خط شرق غرب، فأوقفت وزارة الطاقة الضخ فيه. لم تعلن جهة مسؤوليتها، وقال ترامب إن إيران «على الأرجح» وراءها. وبعد يوم سقطت ميون والساحل اليمني الغربي، فثبّت سريع ما أعلنوه في تموز: الملاحة آمنة للجميع عدا السفن السعودية. الجديد أنهم صاروا يملكون الموقع الذي ينفّذون منه.
وعاد ترامب يوم السبت ليقولها بصوته: «الحوثيون اتصلوا بنا وأعلمونا أنهم لا يريدون القتال معنا، ولا يريدونني أن أهاجمهم». وأضاف أنهم يمرّرون معظم السفن، وأن هناك «دولة واحدة ليسوا سعداء بها»، ووعد بمعالجة الأمر. الرئيس الأميركي يصف هنا تفاهماً يستثني حليفه، ويعتبر أن استثناء هذا الحليف مسألة تُعالَج لاحقاً.
لماذا تنسحب أقوى دولة في العالم من جبهة تبدو قادرة عليها وتتخلى عن أهم حلفائها؟ التوجه المعلن يبقي القوات مركّزة على إيران وهرمز ويتفادى فتح جبهة ثانية. وهي لا تنسحب من الحرب: في الثاني عشر من أيلول حوّل الحصار الأميركي مئة سفينة عن موانئ إيرانية، وحاملة جورج واشنطن تعمل قرب المضيق. وتحت هذا التوجه حساب لا تعلنه واشنطن: المسيّرة الهجومية الرخيصة تكلف عشرات الآلاف من الدولارات، بينما صاروخ الاعتراض يكلف ملايين. وتختلف تقديرات التعويض وحجم الذخيرة والوقت اللازم لها، لكن الاتجاه ثابت: تعويض الاعتراض أبطأ وأغلى. حرب اعتراض طويلة فوق ممر ملاحي تحرق أغلى ما في المخازن وتُري الخصوم قاع المخزون. القوة التي يجهل الجميع حدودها تردع، والقوة التي عدّ خصومها ذخيرتها تنفق من رصيد ردعها مع كل اشتباك تربحه.
من يحمي الحليف إذن؟ أعلنت السعودية وتركيا وباكستان في السابع من آب أن أي اعتداء على إحداها يُعامل اعتداءً عليها جميعاً. لكن نص اتفاقية مكة لم يُنشر، وحين شرحت وزارة الدفاع التركية آليتها حصرتها في تنسيق الوزراء ورؤساء الأركان ومناورات وتعاون صناعي. لا قيادة موحدة ولا إجراء تفعيل تلقائي. وجاء الاختبار سريعاً: تحركت إسلام آباد نحو طهران ودعتها علناً إلى كبح الحوثيين، وصمتت أنقرة.
وغداً يجلس وزراء خارجية دول الخليج والعراق في مسقط ليستمعوا إلى نتائج ترتيب لهرمز عقدته إيران مع عُمان وحدها. مسار الدخول الجديد يقع بكامله داخل المياه الإيرانية، وجزء من مسار الخروج كذلك، ويعملان وفق ترتيبات إيرانية. هكذا يبدو الأمر حين يُترك الخليج ليتفاوض: تفاهم ثنائي مع من يملك إغلاق الممر، وبقية الجيران يُبلَّغون بالنتيجة.
والأبواب تُغلق واحداً بعد آخر. هرمز مقفل منذ آذار وحركته تراجعت نحو خمسة وتسعين في المئة، وخط ينبع صار منفذ التصدير السعودي العامل وهو هدف منذ تموز. أما الشمال عبر سوريا فشرطه ساقط قبل أن يُفتح: في التاسع من أيلول وقف نتنياهو على جبل الشيخ وقال إن سيطرته ممتدة من الجبل إلى اليرموك والبحر، وقال كاتس إنهم لن يغادروا «المناطق الأمنية». والمطالب معلنة: نزع سلاح الجنوب، ووجود دائم في الجبل، وممر إلى السويداء. والمفاوضات مع دمشق متوقفة. دولة يحتل جيش أجنبي جنوبها ولا تفاوض على انسحابه لا تكون دولة عبور.
يبقى خط واحد، يُقدَّم بوصفه خط إمداد ويعمل بوصفه خط أمن: الممر الهندي الشرق أوسطي الأوروبي، بحراً من الهند إلى الخليج، ثم براً عبر الإمارات والسعودية والأردن وإسرائيل إلى أوروبا. من ينضم إليه يشتري شركاء يصعب عليهم التخلي عنه قبل أن يشتري كلفة نقل أدنى. لكن المواقع على الخط ليست واحدة. أبو ظبي تعمل منذ حزيران على استراتيجية «صفر هرمز»: توسيع خورفكان والفجيرة، وخط تصدير جديد من بحر عُمان، وبضائع تمر عبر صحار والدقم. وقال وزير تجارتها في تموز إنه يتوقع صفر اعتماد في النفط مع نهاية العام. من يملك مفصلاً لا يُتجاوز ترتفع قيمته كلما ازداد الخطر، ومن يملك حق المرور وحده يبقى محصوراً بين المفاصل، فيزداد احتياجه ويقلّ ثمن ما يملك.
تنتهي القصة إلى أصلها. الأمن لا يُشترى، بل يُبنى من الداخل: تنويع الموارد، واحتياطي استراتيجي أوسع من النفط، وشرعية مؤسسية عميقة تحتمل الأزمة. وتوقيع اتفاقية شبيهة بعقد توريد لا يصنع حلفاً. الأحلاف تحتاج عقيدة سياسية، ورؤية للإقليم، واستراتيجية طويلة المدى تُمتحن في السنوات لا في البيانات. أما المشاريع التي تعيش يوم إعلانها ثم تُترك، فتكشف يوم الحاجة أنها لم تكن شيئاً.
#سوريا_لك_السلام
شراء الحماية يشبه لعبة الورق: لا تعرف ما في أيدي الآخرين، ولا كيف سيلعبون أوراقهم، وليس بالضرورة أن يلعبوها بما يناسبك.
La Partie de cartes | The Card Players | لاعبو الورق
Paul Cézanne | بول سيزان
1890–1892
Huile sur toile | Oil on canvas | زيت على قماش
The Metropolitan Museum of Art, New York | متحف المتروبوليتان للفنون، نيويورك



