عندما قال الشيخ حكمت الهجري إن الموحدين الدروز «جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل»، لم يكن يطرح مجرد موقف من حكومة دمشق، ولا صيغة جديدة للحكم المحلي، ولا حتى دعوة صريحة إلى الانفصال وحده. لقد تجاوز الخلاف حول شكل سوريا إلى إعادة النظر في بقائها مرجعية سياسية للجماعة التي يتحدث باسمها، ونقل النقاش من طلب الحماية الإسرائيلية إلى الاقتراب من إعلان الانتماء إلى الدولة الحامية نفسها. وهذا تحول لا يشبه، في دلالته التاريخية والسياسية، ما عرفته سوريا من نزعات حكم ذاتي أو ارتهانات خارجية خلال سنوات الحرب.
تبدو المفارقة أشد قسوة حين تأتي من السويداء. فمن جبل الدروز انطلقت قبل قرن ثورة بدأت احتجاجاً على سياسات الانتداب الفرنسي، ثم خرجت من حدود الجبل والطائفة لتصبح الثورة السورية الكبرى. ساهم سلطان باشا الأطرش ورفاقه، بالتوافق مع القيادات الوطنية السورية، في تحويل قضية محلية إلى لحظة مؤسسة في الوطنية السورية، وفي مقاومة مشروع تقسيم البلاد إلى كيانات طائفية ومناطق منفصلة. أما الخطاب الذي يصدر اليوم من الجبل نفسه، فيتحرك في الاتجاه المعاكس تماماً: من الوطن إلى الجماعة، ثم من الجماعة إلى الاحتماء بدولة حاربت سوريا منذ عام 1948، وما تزال تحتل الجولان السوري وتضرب أراضيها.
لا تعني هذه المقارنة أن أبناء السويداء ملزمون سياسياً بما فعله أجدادهم، ولا أنها تقدم تاريخ سلطان الأطرش امتحان ولاء للدروز المعاصرين. فالمجتمعات لا ترث مواقفها كما ترث أسماءها، وتحليل خياراتها يجب أن يرتبط بالظروف الاجتماعية والسياسية التي تحيط بها. الشروط التي صاغت خيارات السوريين زمن الثورة الكبرى والاستقلال ليست هي الشروط التي تصوغ خياراتهم اليوم، كما أن صورة دمشق لدى سكان الجبل ليست ثابتة خارج تغير السلطة والخطاب والتجربة. لكن المفارقة تبحث عن إجابة لسؤال أعمق: كيف يمكن لبيئة كان لها دور تأسيسي في إنتاج الفكرة الوطنية السورية أن تصل إلى لحظة يستطيع فيها قائد ديني تحميه قوة مسلحة أن يعيد تعريف موقعها من سوريا وإسرائيل باسمها؟
وقد يكون الجواب السهل أن الموقف لم يلق قبول الجميع، وأن اعتراضات عليه ظهرت بالفعل. فقد برزت داخل السويداء والجولان أصوات أكاديمية وثقافية واجتماعية رفضت كلام الهجري، وطعنت في حقه في استخدام ضمير «نحن»، وأكدت أنه لا يمتلك تفويضاً للحديث باسم الدروز جميعاً. وفي المقابل، خرجت تشكيلات مسلحة تابعة له في استعراضات شارك فيها أعضاء التشكيل ومؤيدون من أبناء المحافظة، ورُفعت فيها الأعلام الإسرائيلية وصور الهجري. المشكلة الفعلية ليست في غياب الاعتراض، وبكل الأحوال لا يجوز اختزال السويداء في الهجري أو تحميل سكانها مسؤولية خيار لم يشاركوا جميعاً في صنعه. لكن السؤال ليس ما إذا كان الرفض موجوداً؛ بل ما إذا كان قادراً على التأثير في المسار الذي تفرضه القوة المنظمة، في ظل شعور المجتمع بالحاجة إلى القوة التي تحتكر الحماية.
هنا تظهر الحماية بوصفها مركز الثقل في العلاقة بين المجتمع وحامل السلاح. فالمجتمعات لا تسلم قرارها للمسلحين لأنها توافق بالضرورة على مشاريعهم العقائدية والسياسية، بل لأنها تخاف ما قد يحدث في غيابهم. بعد أحداث الساحل والعنف الذي شهدته السويداء في تموز/يوليو 2025، لم يعد الخوف لدى قطاعات من الدروز افتراضاً مجرداً. صار قائماً على ذاكرة قريبة من القتل والإهانة والتهجير، وعلى انعدام الثقة بقوات وفصائل تنتمي إلى السلطة الجديدة أو تعمل تحت رايتها، وعلى خطاب طائفي يعامل الجماعات بوصفها وحدات متضامنة في الذنب والعقاب.
لا يلزم أن يكون الخوف مختلقاً حتى يُستخدم سياسياً. أخطر المخاوف هي تلك التي تمتلك أساساً واقعياً، ثم يعاد تضخيمها وتحويلها إلى خطر وجودي دائم. فالانتهاك المحدد يمكن التحقيق فيه ومحاسبة مرتكبيه ووضع ضمانات تمنع تكراره؛ أما القول إن الجماعة مهددة في وجودها ما دامت داخل الدولة نفسها، فينقل المسألة من الأمن والقانون إلى الهوية والمصير. وعند هذه النقطة يصبح الاعتراض على الحامي مخاطرة بحياة الجماعة، لا مجرد خلاف معه على السياسة.
يبدأ حامل السلاح عادة بوظيفة يطلبها المجتمع أو يقبلها: حماية مظاهرة أو حي أو منطقة أو جماعة. ثم يحتكر تدريجياً القدرة على تحديد الخطر والعدو، وعلى تقرير متى تبدأ حالة الطوارئ ومتى تنتهي. ومن يحتكر تعريف الخطر يحتكر، بمرور الوقت، تعريف المصلحة. هكذا ينتقل الحامي من أداة أنتجتها الحاجة الاجتماعية إلى سلطة تقف فوق المجتمع الذي يُفترض أنها تحميه.
قبل سنوات، تعرضت مع رفاق آخرين للخطف على يد مجموعة مسلحة في إحدى المناطق السورية، وأنقذنا أحد المدنيين الشجعان من أبنائها. قال بعد ذلك جملة بقيت في ذاكرتي: «ما فينا عليهن وما فينا بدونهن». لم يكن الرجل راضياً عن المسلحين ولا عاجزاً عن رؤية تجاوزاتهم، لكنه كان يصف علاقة أكثر تعقيداً: لا يستطيع المجتمع ضبطهم، لكنه يعتقد أنه لا يستطيع العيش من دونهم أيضاً. في النصف الأول من الجملة يظهر العجز، وفي نصفها الثاني تظهر الحاجة إلى الحماية. وبين الحاجة والعجز ينشأ تفويض يأسر المجتمع: فلا هو يقبل جميع نتائجه، ولا تسمح له الظروف بسحبه.
لهذا يشكل الأمن المحلي العتبة الصفرية للفاعلية المدنية. فالإنسان الذي يخشى الخطف أو الاعتقال أو التهجير لا يستطيع أن ينظم نفسه بحرية، ولا أن يبني مؤسسة مستقلة، ولا أن يعارض قائد جماعته إذا بدا أن الاعتراض يضعفها أمام خصومها. لكن ليس كل هدوء أمناً، وليست كل حماية أساساً للفاعلية. قد يحمي الفصيل المجتمع من قوة خارجية، بينما لا يحميه أحد من الفصيل نفسه. وقد تتوقف الاعتداءات، لكن تبقى كلفة الاختلاف مرتفعة لأن السلاح والمال والمعابر والعلاقة بالخارج في يد طرف واحد.
الأمن الذي يسمح بقيام حياة مدنية فاعلة ليس مجرد غياب القتل، بل قدرة الناس على الاختلاف والتنظيم والمحاسبة من دون خوف من خصومهم أو من حُماتهم. لذلك لا يمكن للحماية الفصائلية أن تبقى، إلى ما لا نهاية، بديلاً من الأمن المؤسسي. فالحماية الفصائلية علاقة اعتماد على حامل سلاح، أما الأمن المؤسسي فهو حق تضمنه قواعد ومؤسسات يستطيع المجتمع مراقبتها وتغيير القائمين عليها. من دون الأمن تُسحق الفاعلية المدنية؛ ومع حماية مسلحة غير خاضعة للمساءلة تتحول الفاعلية إلى تبعية؛ أما الأمن المؤسسي المحلي فيفتح الباب أمام تراكم مدني حقيقي.
هذه ليست مشكلة السويداء وحدها. لقد تكرر النمط، بصور مختلفة، في مختلف مناطق السيطرة السورية. لم يكن الكرد جميعاً مؤيدين لقسد، ولم يكن جمهور الثورة موافقاً على هيئة تحرير الشام، ولم يكن سكان مناطق النظام، بمن فيهم مؤيدوه، راضين عن كثير من ممارسات الأجهزة الأمنية والجيش. بقي الاعتراض حاضراً، لكن القوة العسكرية كانت تحسم الاتجاه، ثم يعاد تقديم ما فرضته بوصفه تعبيراً عن إرادة البيئة التي تسيطر عليها.
هذا المأزق لم يكن نتيجة الحرب وحدها، بل يمتد في عمقه إلى السنوات الأولى بعد الاستقلال. لم تكن حماية الحياة هي الذريعة الرئيسية لتدخل الجيش في السياسة، ولكن الضباط نصبوا أنفسهم أوصياء على أحلام أكبر: فلسطين، والوحدة العربية، والاستقلال عن النفوذ الخارجي، والثورة الاجتماعية، وموقع سوريا في التحالفات الإقليمية. صادر العسكر حق المجتمع في رسم مستقبله باسم حماية طموحاته. أما خلال الحرب، فقد ضاق موضوع الحماية تدريجياً من مستقبل الأمة إلى بقاء الجماعة، وصادر المسلحون حق المجتمع في الاختيار باسم حماية حياته. في الحالتين عُلقت السياسة أمام ضرورة قيل إنها لا تحتمل النقاش: فلسطين لا تنتظر اكتمال الحياة السياسية، والوحدة لا تحتمل الخلاف، والجماعة المهددة لا تستطيع محاسبة من يحمل السلاح دفاعاً عنها.
ولم ينجُ ما سُمي المجتمع المدني السوري لاحقاً من هذه المعضلة. كان صاخباً خلال الحرب، وأصدر البيانات والتقارير، وعقد المؤتمرات، واعترض على سلطات الأمر الواقع، بما فيها هيئة تحرير الشام. لكن انتقال الهيئة من سلطة محلية إلى مركز الحكم كشف المسافة بين الحضور والقدرة. تراجع الصوت السياسي العلني لقطاع واسع، وانتقل جزء من المنظمات إلى الترقب أو التكيف أو تقديم الخدمات، بينما واصل بعضها النقد الحقوقي من دون أن يستطيع تحويله إلى أثر ملزم في بنية السلطة ومسار المرحلة الانتقالية.
لقد امتلك قطاع واسع من المنظمات خبرة ومعرفة وعلاقات دولية، لكنه لم يمتلك دائماً عضوية اجتماعية واسعة أو موارد محلية أو نقابات ومجالس منتخبة تستطيع التعبئة وفرض كلفة على تجاهل مطالبها. كان قادراً على التوثيق أكثر من قدرته على التنظيم، وعلى مخاطبة المانحين أكثر من مخاطبة قواعد اجتماعية ثابتة. وهذا لا يلغي القيمة الحقوقية والإنسانية لما أنجزه، لكنه يوضح الفرق بين النشاط والفاعلية: فليس كل صوت فعلاً، ولا كل حضور تأثيراً.
هذا هو ما أسميه الفراغ الاجتماعي. لا أقصد غياب المجتمع أو الآراء أو الاحتجاج، بل غياب الوسائط التي تحول المواقف المتفرقة إلى قوة عامة مستقلة تستطيع التأثير في القرار. الصخب يملأ المجال العام، بينما يملأ السلاح مجال القرار. وفي المسافة بينهما يستطيع طرف منظم أن يتحدث باسم جماعة قد لا تتفق معه في كل طروحاته، ثم يفرض عليها مساراً تتكيف معه لاحقاً، فيُقرأ تكيفها على أنه قبول سابق.
حالة السويداء هي الاختبار الأقصى والأقسى لهذا الفراغ. فالخلاف لم يعد يدور فقط حول المركزية واللامركزية، أو الاعتدال والتشدد، أو حتى البقاء في سوريا والانفصال عنها. باتت قوة محلية تفتح الباب لنقل مرجعية الحماية والانتماء إلى دولة قامت علاقتها بسوريا على الحرب والاحتلال، وما تزال تحتل أرضاً سورية. ليست خصوصية الحالة في الاستعانة بالخارج؛ فقد ارتهنت قوى سورية كثيرة لدول إقليمية ودولية. خصوصيتها تأتي في الانتقال العلني من الاستعانة إلى الانتماء، ومن استخدام الحامي إلى تعريف الجماعة بوصفها جزءاً منه.
لا يمكن مواجهة هذا المسار باتهام الدروز بالخيانة، ولا باستدعاء تاريخ سلطان الأطرش لتوبيخ أحفاده، ولا بشعار وحدة وطنية متخيلة لا يرافقه أمن وعدالة. فمثل هذا الخطاب يعيد إنتاج الخوف الذي يمنح الهجري شرعيته. إذا كان الانتماء إلى سوريا يعني لدى قطاع من سكان السويداء التعرض لقوة لا يثقون بها، فإن التنديد بحمايتهم الخارجية لن يكون كافياً. لا تُهزم الحماية الأجنبية بخطاب الوطنية وحده، بل بتقديم حماية وطنية أكثر صدقية: تحقيق ومحاسبة عن الانتهاكات، وقوة أمن محلية خاضعة للقانون، ومشاركة حقيقية في إدارة المحافظة وإدارة البلاد كلها، وضمانات تمنع العقاب الجماعي، وتضع السلاح المحلي والرسمي معاً تحت رقابة عامة ضمن دولة تمثل الجميع.
غير أن الأمن ليس نهاية الطريق، بل بدايته. بعد أن يشعر المجتمع أن حياته مصونة، تبدأ العتبة الأولى للفاعلية: أن يستطيع الاختلاف، ثم التنظيم، ثم بناء المؤسسات، ثم تحويل موقفه إلى قرار أو قيد على القرار. أما إذا بقي أمنه معلقاً بإرادة حامٍ غير قابل للمحاسبة، فسيظل المجتمع صاخباً وعاجزاً في الوقت نفسه.
تكشف السويداء اليوم أن السؤال السوري لم يعد فقط من يحتكر السلاح، بل من يحتكر الحماية، ومن يملك تعريف الخطر باسم الجماعة. من يحتكر حمايتك يستطيع أن يحدد عدوك، ومن يحدد عدوك يستطيع، في النهاية، أن يعيد تعريف وطنك. والمجتمع الذي لا يستطيع محاسبة حاميه لا يملك أمنه فعلاً، حتى لو توقف القتل.
في لوحة «العملاق»، يهيمن العملاق على الأفق، فيما يتفرق الناس في الأسفل هاربين بلا اتجاه واحد؛ لا يُعرف إن كان القوة التي تحميهم أم الخطر الذي يدفعهم إلى الفرار، لكنهم لا يملكون في الحالتين القدرة على ضبطه.
El Coloso | The Colossus | العملاق
Atribuido a Francisco de Goya | منسوبة إلى فرانسيسكو غويا
Óleo sobre lienzo | Oil on canvas | زيت على قماش
Museo Nacional del Prado, Madrid, España | متحف برادو الوطني، مدريد، إسبانيا



