يصعب أن نسمع «الألبوم السوري» الذي قدمته أصالة نصري بوصفه مجموعة أغانٍ فولكلورية أعادت مطربة معروفة توزيعها. ففكرة العمل تحمل ادعاءً أكبر من أغانيه: أربع عشرة أغنية، واحدة لكل محافظة، تأتي من بيئات ولهجات وذاكرات موسيقية شديدة الاختلاف، ثم تجتمع تحت اسم واحد. وبعد سنوات صار فيها اسم المنطقة في سوريا يحيل إلى خطوط الحرب والنزوح والانقسام، تبدو محاولة جمع هذه الجغرافيا المتباعدة في عمل واحد مغرية بذاتها، وهذا يفسر جانباً من الاستقبال العاطفي الذي حظي به الألبوم. لكن ما لفتني ليس ما جمعه، بل الطريقة التي جمعه بها.
فمع الانتقال بين الأغاني تظهر مفارقة يصعب تجاهلها. الأغنية الديرية تبقى ديرية، والحمصية حمصية، والحلبية حلبية، لكن قاسماً مشتركاً خفياً يتسلل إليها جميعاً. صوت أصالة يوحّد الألبوم بحكم الضرورة، غير أن الأمر يتجاوز الصوت إلى النطق والأداء والتوزيع والذائقة، وإلى طبعة خاصة تجعل أغاني آتية من أماكن متباعدة تبدو أقرب بعضها إلى بعض مما نتوقع. ومن هنا جاءت اعتراضات أبناء المناطق: إنها لم تتقن لهجاتهم كما ينبغي، أو إن الأغنية التي يعرفونها فقدت شيئاً من روحها.
الاعتراض مشروع. وليس كل ضعف فني يحمل معنى اجتماعياً، لكن ما يكشفه الضعف هنا اجتماعي حتى لو زال الضعف نفسه. كان يمكن لأصالة أن تعمل على اللهجات أكثر، وأن تستعين بأبناء البيئات التي أخذت منها الأغاني، وأن تدقق في الإيقاعات وأساليب الأداء. لكن الاعتراف بهذا القصور لا ينهي المسألة، لأن سؤالاً يبقى قائماً حتى لو أتقنت كل ذلك: هل كان ممكناً لها أن تؤدي التراث المحلي كما يؤديه أهله؟
الأرجح أن المسافة كان يمكن تقليصها كثيراً، لكن يصعب إلغاؤها. فالتراث المحلي ذاكرة اجتماعية قبل أن يكون قاموس لهجة أو سلّماً موسيقياً. هو طريقة في استخدام اللغة والصوت، وعلاقة بين الأغنية ومناسباتها وبين الناس ومكانهم. ولا يعني هذا أن ابن المنطقة يملك جوهراً يستحيل على الغريب تعلّمه، ولا أنه بالضرورة أقدر على غناء تراثه من فنان محترف. ولا أن هذه المحليات نقاط بداية صافية، فكل واحدة منها ترسّب حركات أقدم. المقصود أبسط: مهما بلغت دقة التعلم، تبقى عادةً مسافة بين أداء ثقافة من داخل سياقها وأدائها بعد أن تغادره. والاعتراف بهذه المسافة يفتح سؤالاً أول: هل هي فجوة في عبور التراث إلى جماعات أخرى، أم شرط من شروط العبور؟
الأغنية داخل جماعتها لا تحتاج إلى أن تشرح نفسها. المناسبة التي تُغنّى فيها، ومن يغنّيها، وما يعرفه الحاضرون سلفاً من غير أن يقال، كل ذلك يحمل من معناها ما لا تحمله النغمة ولا الكلمات. فحين تخرج الأغنية إلى من لا يملك هذا المحيط، لا يخرج المحيط معها. والأداء الذي ينقلها كما هي بالضبط ينقل نصفها، لأن نصفها الآخر لم يكن فيها أصلاً.
ما لا ينتقل هو حاملها العاطفي، أي المساحة التي يتفاعل معها الناس بذكرياتهم ومشاعرهم. والكلام من دونه يبقى مجرداً يحتمل أي معنى. ومن ينقل الأغنية يعوّض هذا الغياب من عنده، قصد أو لم يقصد، لأن المؤدي لا يستطيع أن يغني من فراغ: يضع فيها صوته وذائقته ومحيطه ولو لم يخطر له أنه يفعل. وهذا ما يجعلها مسموعة خارج أهلها، لا لأنه صاغها لجمهور جديد، بل لأن ما وضعه فيها آتٍ من عالمه هو. فالإضافة ليست زخرفة ولا تهاوناً في الأمانة، إنها البديل عن السياق الغائب، والثمن الذي تدفعه الأغنية لكي تعبر. أما ما يعبر من دون أن يمسه أحد فلا يكون قد عبر إلى وجدان جديد، وإنما سُجّل في مكان آخر.
ولو استعرت لغة المطبخ الدمشقي لقلت إن أصالة لم تستبدل بالأطباق المحلية طبقاً شامياً واحداً، بل أبقت لكل منطقة طبقها ثم رشّت شيئاً من الكزبرة والكمون على الأطباق كلها. كان يمكنها أن تتقن الوصفات أكثر وأن تستعين بأصحاب المطابخ أنفسهم، لكن بقاء أثر من يد الطاهية ليس كله خطأ يُصحَّح. فالبديل الكامل أن يبقى كل طبق داخل مطبخه، والديري للديريين والطرطوسي للطراطسة والحلبي للحلبيين. عندئذ نكسب أمانة محلية أعلى، ونخسر ما يسرّع انتقال هذه الثقافات بعضها إلى بعض ويجعلها أيسر تداولاً لدى جمهور آخر.
وفي التعليقات على الألبوم ما يلخص هذه المفارقة أكثر من أي تنظير. قرأت لأشخاص انزعجوا من الأغنية التي اختيرت لمنطقتهم أو من طريقة أدائها، ثم تحدثوا بإعجاب عن أغنيات قدمتها لمناطق أخرى. جزء من ذلك مفهوم: المرء يكتشف سريعاً ما تغيّر في وصفة بيته، ولا يملك المعيار نفسه أمام مطبخ لا يعرفه. لكن ما جرى أهم من ذلك. فالوسيط الذي فشل، في نظرهم، في نقل تراثهم بالدقة التي يريدونها، نجح في تعريفهم بتراث سوري آخر. والمصفاة التي أضعفت كثافة الأغنية المحلية عند أهلها هي نفسها التي أوصلتها إلى من لم يكن يعرفها. وربما كان المستمع غاضباً مما فعلته أصالة بـ«تراثنا» فيما كان يكتشف عبرها شيئاً من «تراثهم».
هنا يصير التشابه بين الأغاني أكثر إثارة من كونه مأخذاً فنياً. لقد أعطت أصالة كل محافظة أغنيتها، على ما في هذا التقسيم الإداري من اختزال، لكنها جعلت المحافظات كلها تغني في النهاية بصوتها. والصوت هنا ليس الحنجرة وحدها، بل الذائقة وطريقة الأداء والتكوين الثقافي والموقع الذي تنظر منه إلى هذا التنوع. فلكي يصير لدينا ألبوم واحد بدل أربعة عشر تسجيلاً منفصلاً، لا بد من لغة مشتركة تربط بينها، وأصالة نفسها هي هذه اللغة. لكن اللغة المشتركة لا تأتي من مكان محايد. وأصالة دمشقية، فيمكن أن نسأل: هل جمعت التراث السوري فقط، أم أعادت ترجمته، من دون تخطيط واع، عبر حساسية تكوّنت في المركز الدمشقي؟
من هنا أطرح عبارة قد تبدو استفزازية: ربما لا يقوم بمشروع كهذا بهذه التلقائية إلا دمشقي. لا لأن الدمشقي أقدر على تراث الآخرين أو أحق به، بل لأن موقع المركز يمنحه جرأة لا تشعر بنفسها بوصفها جرأة. تخيّلوا مطرباً من دير الزور يختار أغنية من كل محافظة، فتمر دمشق وحلب والسويداء والساحل وحوران عبر حساسيته الفراتية، ثم يسمي الناتج «الألبوم السوري». أرجّح أننا سنلاحظ موقعه المحلي فوراً، وسنتحدث عن قراءة ديرية للتراث السوري. أما حين تفعل أصالة شيئاً قريباً من ذلك، فلا تبدو دمشقيتها بالوضوح نفسه.
ويمكن رؤية الفارق داخل تاريخ الغناء السوري إذا قارنّا، مع التحفظ على اختلاف التجربتين، بين أصالة وصباح فخري. صباح فخري مطرب سوري كبير، لكن حلبيته جزء من تعريف تجربته لا مجرد مكان ولادة: مدرسته، والقدود والموشحات التي ارتبط بها، وطريقة أدائه، والسردية الثقافية المحيطة به، كلها تجعل «الحلبي» صفة فنية ذات معنى. أما أصالة فتوصف بسهولة بأنها مطربة سورية. نعرف أنها من دمشق، لكن دمشقيتها تستطيع أن تتراجع إلى الخلفية من دون أن يبدو تعريفها ناقصاً. وهي ليست أقل دمشقية مما كان هو حلبياً، غير أن خصوصية المركز أقل حاجة إلى أن تعلن نفسها.
ولعل هذا التفاوت واحد من أدق صور المركزية الثقافية. فالمركز لا يمنع الأطراف من التعبير عن نفسها؛ الفارق أن ثقافات الأطراف تحتاج إلى صفة، فيما يستطيع المركز أن يظهر بلا صفة محلية. هناك مطرب حلبي، ولون فراتي، وتراث حوراني، وغناء حمصي أو ساحلي، بينما يقدم منتَج ثقافي خرج من دمشق نفسه، في حالات كثيرة، باسم «السوري» مباشرة. وحين يستمر ذلك طويلاً، تكفّ ثقافة المركز عن الظهور بوصفها واحدة من الثقافات المحلية، وتصير السطح الذي تظهر عليه محليات الآخرين.
ويمكن أن يرد اعتراض بأن أصالة تكوّن حضورها في سوق عربي وأن عدم تصنيفها المحلي بسبب من هذا السوق لا من دمشق. ولكن لو كان السوق العربي وحده هو السبب، لكان كافياً لمطرب محلي أن يصل إليه لكي يخرج منه حاملاً الاسم السوري بلا صفة، وهذا نادر إن وُجد. وصباح فخري بلغ من الشهرة العربية ما بلغ وظل حلبياً، ومن حمل الاسم السوري بلا صفة حمله في الأغلب بعد مروره بالفضاء المديني المختلط لا بمحليته وحدها، فالسوق يمنح الوصول، ولا يبدو أنه يمنح وحده الصفة الوطنية.
الاعتراض على كل حال يمدّ الفكرة بدل أن يهدمها، لأن السوق العربي نفسه مركزية تعمل بالآلية ذاتها: صارت «الأغنية العربية» بلا صفة، فيما ظلت العراقية والمغاربية والخليجية، والسورية بينها، تحمل أسماءها. أي أن أصالة تعبر مصفاتين لا مصفاة واحدة. وللمصفاة الثانية ثمنها كما للأولى: تُطوَّع الأغنية السورية للذائقة العربية في النطق والتوزيع وقوالب الإنتاج. ولهذا قد يجد الدمشقي نفسه في موقع ابن المحافظة، يسمع ألبوماً يقال إنه سوري ولا يشعر أنه سوري. الآلية واحدة والموقع وحده يتغير، فدمشق مركز بالقياس إلى المحافظات وطرف بالقياس إلى مركز أبعد منها.
لكن الحديث عن «دمشق» بهذه البساطة يخفي التباساً، لأن وضع «دمشق» و«الشام» في خانة واحدة يعيد تبسيط المشكلة التي نحاول فهمها. فالدمشقي ليس بالضرورة شامياً بالمعنى التقليدي، ودمشق الحديثة ليست توسعاً جغرافياً لأحياء الشام القديمة وثقافتها.
ثمة أولاً ثقافة شامية محلية، لها لهجتها ومطبخها وموسيقاها وذاكرتها المدينية وصورتها عن نفسها، وهي ثقافة محلية مثل الحلبية أو الحورانية. وثمة فوقها هوية دمشقية أوسع تشكلت مع نمو المدينة واستقبالها المستمر لسوريين من مناطق مختلفة، فصار هؤلاء، أو صار أبناؤهم، دمشقيين من دون أن يكونوا من «الشوام». وأصالة ابنة هذه الدمشق الثانية بقدر ما هي ابنة المدينة جغرافياً. نشأت في عائلة من الطبقة الوسطى وفي حي اختلط فيه سوريون من بيئات مختلفة. وليست هذه معلومة عابرة، لأنها تفسر التلقائية التي تقف خلف مشروع مثل «الألبوم السوري». فمن ينشأ في بيئة كهذه لا يتعرف إلى سوريا بوصفها خريطة ثقافات منفصلة يزورها واحدة بعد أخرى، بل يعيش أجزاء منها داخل مدينته، في المدرسة والحي واللهجات التي تتجاور ثم تتداخل.
ولا يعني هذا أنها تحمل ثقافة شامية تقليدية وتسقطها على الآخرين. فدمشق الحديثة لم تحوّل القادمين إليها إلى شوام ولم تتركهم جزراً، بل نشأ بينها وبينهم فضاء مديني أخذ من الشامي القديم ومن الوافد، وأعاد إنتاجهما في لهجة وذائقة وأنماط حياة صارت مع الزمن «دمشقية». ولذلك فإن أصالة، حين تغني دير الزور أو السويداء أو الساحل، لا تقف في جهة اسمها دمشق ثم تمتد إلى جهة اسمها الأطراف. إنها ابنة مركز سبق أن دخلت إليه الأطراف وأسهمت في تكوينه.
ويظهر ذلك في الألبوم نفسه. فالتراث الدمشقي الغنائي معروف وموثق وكثير، وأصالة أقرب الناس إليه بحكم مدينتها، ومع ذلك لم تكن الأغنية التي اختارتها لدمشق من أوائل ما يخطر على البال حين يُذكر هذا التراث. اسمها الجغرافي الوحيد «الشام»، وهي كلمة تحتمل المدينة والبلد والإقليم معاً بحسب من ينطقها، وموضوعها العودة بعد غياب، وهو شعور سوري عام في هذه اللحظة لا شعور مدينة بعينها. قد تكون موثقة في تراث دمشق، لكنها ليست الاختيار التلقائي الأول إذا أردنا الحديث عنه، ولم يكن ذلك امتناعاً عن المحلي؛ الواقع والسياق جعلا العام أقرب إلى يدها من الخاص، حتى حين كان الخاص هو المطلوب.
وهنا يتضح الفرق بين الطبقتين: الشامي التقليدي يملك، مثل غيره من أهل المحليات، ثقافة يعرف حدودها، أما الدمشقي المديني فيقف حيث يُنتظر منه أن يتسع. وهذا هو التخفف الذي لا يشعر ابن الثقافة المحلية بحاجة إليه، لأنه لم يُطلب منه يوماً أن يتحدث باسم أحد آخر.
ولو فعلت أصالة العكس لما تغيّر الأمر كثيراً، لأن القراءة الوطنية تُفرض ولا تُلتمس. لو أصدرت عملاً شامياً خالصاً ولم تسمّه سورياً، لظل يُسمع في الأغلب غناءً سورياً لا غناء مدينة. ولو أصدر ديريٌّ عملاً وسمّاه «الألبوم السوري»، لظل يُسمع في الأغلب قراءة ديرية لسوريا. الطرف قلّما يكتسب الصفة الوطنية حتى حين يدّعيها، والمركز قلّما يتخلص منها حتى حين لا يدّعيها.
وتحميل أصالة وعياً بهذه العملية تحميل لها بما هو أثقل منها. من الصعب افتراض أنها دخلت الاستديو وهي تفكر في المركز والهامش، ومن الطبيعي ألا تفكر في ذلك لا بوصفها شخصاً ولا بوصفها دوراً. الأغلب أن المسألة عندها أكثر تلقائية: هذه أغنيات سورية، وهي سورية، فلا تشعر أنها تدخل أرضاً ليست لها. لكن هذه التلقائية نفسها هي ما يجعل التجربة جديرة بالتحليل، لأن المركزية لا تظهر دائماً في مشروع واع للسيطرة، بل كثيراً ما تظهر في ما يبدو لأبناء المركز طبيعياً ومحايداً ومشتركاً.
على أن هذه المركزية لم تبدأ مع أصالة ولا مع الدولة السورية الحديثة. دمشق مدينة امتصت عبر تاريخها موجات متعاقبة من القادمين، من أكراد وشركس وأتراك وغيرهم، ثم استقبلت في العصر الحديث هجرة داخلية واسعة. ولا يكفي القول إنها «دمشقت» القادمين إليها؛ الأدق أنها دمشقتهم وتدمشقت بهم. أخذوا منها لغة المدينة وإيقاعها ومعاييرها، وأدخلوا إليها عناصر من بيئاتهم، وبعد جيل أو جيلين يصعب الفصل بين ما أعطته وما أخذته.
وهذه مفارقة دمشق: هي الجسر والمصفاة، وهي أيضاً إحدى المواد التي تمر عبر المصفاة. جسر لأنها استقبلت السوريين المختلفين فاكتسبت قدرة على ترجمة بعضهم لبعض، ومصفاة لأن ما يعبر منها لا يبقى كما دخل، بل يُعاد تقديمه بلغة أوسع فيكسب جمهوراً جديداً ويخسر شيئاً من كثافته المحلية، والأغنية الديرية التي بدأنا بها مثال قريب. والعلاقة تبادلية وإن لم تكن متكافئة: سلطة المركز على شكل المزج أكبر، لكنه يتعرض للمزج أكثر من غيره، فهو لا يتفوق بما ينتجه وحده بل بقدرته على جذب من ينتجون.
يبقى السؤال: لماذا استطاعت دمشق تحديداً أن تحوّل قدرة الجذب هذه إلى مركزية سورية عامة؟ حلب هي الاختبار الأصعب، فهي ليست هامشاً ثقافياً بأي معنى: مدينة ذات تاريخ حضري وتجاري كبير، وواحدة من أغنى البيئات الموسيقية السورية، ولها نخبها وذاكرتها. ومع ذلك بقي أغلب ما تنتجه قابلاً لأن يسمى «حلبياً»، فيما استطاع كثير مما يخرج من دمشق أن يقدم نفسه باسم «السوري». وقد يكون وضوح المدرسة الحلبية عاملاً مساعداً، فالذخيرة التي مرّت بنا عند صباح فخري تحمل اسم مدرستها أينما ذهبت، لكنه عامل مساعد لا حاسم، فوضوح المدرسة يجعل التحول إلى معيار عام أصعب ولا يمنعه.
ومعنى ذلك أن القوة الثقافية وحدها لا تفسّر المركزية. فالهجرة والاختلاط يشرحان كيف تكوّن المنتَج الدمشقي، لا كيف صار هو ما يُتداول باسم سوريا. والموقع الذي يُتحدث منه باسم الجميع ليس ثقافة ثالثة تنافس المحليات، بل مكان يشغله منتَج بعينه، وقد شغلته دمشق طويلاً. أما شغله فصنعته الدولة: تركزت في دمشق السلطة والإدارة والإعلام والمؤسسات الثقافية والفنية، فصار الانتقال من المحلي إلى الوطني يمرّ بالعاصمة في قطاعات كثيرة، والغناء منها. ولم تخلق الدولة هذه المركزية من الصفر، بل راكمت وظائف جديدة فوق مدينة كانت مركزاً قبل سوريا الحديثة بزمن طويل. فالسؤال الأدق ليس من يملك السلطة الثقافية، بل من يستطيع أن يجعل خصوصيته أقل ظهوراً بوصفها خصوصية، لا أن يكون بلا خصوصية.
عند هذه النقطة يصير الانتقال من «تراثهم» إلى «تراثنا» هو السؤال الحقيقي للألبوم. لا يحتاج تراث دير الزور إلى دمشق لكي يوجد، ولا إلى شهادة من المركز تثبت أصالته؛ الوجود سابق على الاعتراف. لكن الثقافة الوطنية تحتاج إلى شيء آخر: أن أعرف أن للآخر ثقافة، ثم أن أعرف شيئاً منها، ثم أن أقبل أن ما يملكه ليس «تراثهم» وحسب بل جزء مما أسميه «تراثنا». وحين يصير التراث الديري جزءاً من «تراثنا» فلا ينبغي أن يتوقف عن كونه ديرياً. يمكن للأغنية أن تكون سورية وديرية معاً، وأن أعدّها من تراث بلدي من دون أن أدّعي أن علاقتي بها كعلاقة من حمل سياقها وذاكرتها. والمطلوب ليس إلغاء المسافة بين المحلي والوطني، بل منعها من أن تصير طريقاً باتجاه واحد.
ولا أرى أن الحل سوريا بلا «دمشقة»، ولا أن إضعاف المركز غاية في ذاته. فثقافات محلية مغلقة على نفسها لا تصنع تعددية وطنية، بل جزراً متجاورة تعرف كل منها ذاتها ولا تعرف الآخرين. وليست قوة المركز هي المشكلة؛ المشكلة أن بقية المراكز تجد صعوبة أكبر في تحويل قوتها المحلية إلى قوة وطنية من دون المرور به. فالسؤال ليس كيف نجعل دمشق أقل قدرة على أداء وظيفة الجسر، بل كيف نجعل حلب ودير الزور والسويداء والساحل وحوران والجزيرة قادرة على فتح طرق مباشرة بينها.
وليس اقتران المركز السياسي بالمركز الثقافي قانوناً. فالإيطالية المعيارية قامت إلى حد بعيد على التوسكانية الأدبية التي اكتسبت مكانتها عبر دانتي وبترارك وبوكاتشيو قبل قيام الدولة الموحدة بقرون، من دون أن تصير فلورنسا عاصمة سياسية دائمة. والأهم في المقارنة أنها تنزع عن مركزية دمشق صفة القدر: هذه المركزية نتيجة تاريخية وسياسية لا قاعدة اجتماعية عامة، والموقع الذي يُتحدث منه باسم الجميع يمكن أن يُشغَل بتراكم أدبي ورمزي، من دون عاصمة ومن دون قرار.
وهنا يجب الانتباه أن تعدد المراكز ليس حلاً نهائياً تلقائياً بل هو في أفضل الأحوال توزيع أعدل للمشكلة. فالآلية التي رصدناها عملت في حالتنا على ثلاثة مستويات: الأغنية الواحدة اختُزلت بها محافظة بأكملها، على ما فيها من بيئات ولهجات. والمحافظات كلها اختُزلت في صوت خرج من دمشق فحمل الاسم السوري بلا صفة. والأغنية السورية عبرت إلى ذائقة عربية صيغت معاييرها في مكان آخر. في كل مستوى يصعد محلي إلى موقع التمثيل فيفقد صفته، ويبقى ما يمثله موسوماً باسمه. فلو صار للحسكة مركزها الذي ينتج باسم الجزيرة، لواجهت داخلها السؤال نفسه: أي بيئة تتحدث باسم البقية، وأي لهجة تصير هي اللهجة. لا نريد الوصول إلى مركز بلا أطراف، فهذا مستحيل، بل وعي بأن كل تمثيل اختزال، وأن الاختزال يُحتمل حين يبقى واعياً ويصير هيمنة حين ينسى نفسه وينسى من يمثلهم.
والاختبار الحقيقي لن يكون أن تتوقف أصالة عن غناء دير الزور أو السويداء أو الساحل. على العكس، نحتاج إلى أن يغني السوريون تراث بعضهم بعضاً أكثر، وأن يخطئوا ويتعلموا ويتأثروا، لأن الثقافة المشتركة لا تولد من إبقاء كل شيء في مكانه. لكننا نحتاج أيضاً إلى أن تصير الحركة المعاكسة طبيعية بالقدر نفسه: أن يعيد فنان ديري غناء دمشق وحلب والساحل من موقعه وحساسيته، وأن يضيف من الفرات إلى المائدة السورية، من دون أن يصير الناتج في نظرنا «نسخة ديرية» من سوريا، فيما تبقى النسخة الخارجة من المركز وحدها قادرة على حمل الاسم السوري بلا صفة.
ليس السؤال في النهاية كيف نحمي «تراثهم» من «تراثنا»، ولا كيف نذيب الأول في الثاني، بل كيف نصنع «نحن» تحمل الاثنين. وسوريا التي نبحث عنها ثقافياً فضاء يعبر فيه التراث من كل اتجاه، فيتغير من دون أن يُمحى، ويصير مشتركاً من دون أن يفقد أصحابه حقهم فيه. عندها تبقى دمشق ما كانت في أفضل أدوارها، مكاناً يلتقي فيه السوريون ويعيدون إنتاج بعضهم بعضاً. لكن الدور شيء والمكان شيء آخر، وما نبحث عنه ليس دمشق أصغر بل «دمشقات» أكثر، أي أماكن أخرى تصلح لأن تؤدي الوظيفة نفسها. وبذلك تصير دمشق جسراً من جسور سوريا لا بوابتها الوحيدة، ويصير الجسر وظيفة يتقاسمها السوريون لا امتيازاً لمدينة.



