أعادت التقارير عن احتمال إرسال قوات سورية إلى اليمن طرح سؤال أوسع من حقيقة المباحثات بين الرياض ودمشق. فقد نقل موقع أكسيوس عن مسؤولين أميركيين أن دمشق تدرس طلباً سعودياً بإرسال ما بين عشرة آلاف وعشرين ألف جندي، بينما وصفت الرئاسة السورية هذه التقارير بأنها كاذبة. وأياً كانت صحتها، يمتد السؤال من احتمال المشاركة السورية إلى طبيعة الحرب التي تخوضها السعودية، وحدود التحالف الذي تستند إليه، ومن سيتحمل كلفة توسيعها، ومن سيكون قادراً على الخروج منها عندما يحين وقت التفاوض.
لم تطلق السعودية حملتها فور التقدم الحوثي نحو باب المندب، فقد استغرقت وقتاً في التحضير وتأمين الإسناد العسكري والسياسي، وبدأت العمليات بعدما وفرت الحد الأدنى من الشروط اللازمة لخوضها. وفي يوم إعلان الهجوم، حين قالت الحكومة اليمنية إنها قررت استعادة صنعاء، قال وزير الخارجية السعودي إن طريق الدبلوماسية ليس مغلقاً. ويشير هذا التباين إلى أن الرياض دخلت الحرب وهي تعرف حدودها: قيود تحدد كلفتها، وترسم معها سقف ما يمكن أن تحققه. وداخل هذا الإطار تبقى مساحة للتعديل، فبعض القيود كان معروفاً منذ البداية، وبعضها الآخر لا تظهر حدته إلا مع اختبار القوات على الأرض. ومن هنا يمكن فهم البحث عن قوات إضافية، بما فيها القوات السورية إن صحت التقارير، محاولةً لتعديل أدوات الحرب أثناء خوضها، بإضافة قوى أو سحب أخرى، من غير أن يدل ذلك بالضرورة على تبدل سقفها.
أول هذه القيود عسكري ولوجستي. فالقوات اليمنية المناهضة للحوثيين موزعة بين تشكيلات وجبهات وولاءات مختلفة، والتفوق الجوي لا يكفي وحده للسيطرة على الأرض والاحتفاظ بها، بينما تفرض الجغرافيا اليمنية، ولا سيما المرتفعات، كلفة مرتفعة على أي محاولة للتوغل في العمق الحوثي. وتشير التطورات الأخيرة إلى أن التقدم الحكومي على الساحل لا يمنع الحوثيين من ممارسة الضغط على جبهات أخرى، خصوصاً باتجاه تعز.
غير أن القيد الأهم اقتصادي، فقد نقل الحوثيون الحرب إلى العمق السعودي. أوقفت هجماتهم على المطارات قرابة نصف الرحلات المغادرة من الرياض في يوم واحد، وأسفرت ضرباتهم على مطاري الرياض وأبها عن ثلاثة قتلى وعشرات الجرحى بحسب هيئة الطيران المدني السعودية، كما تضررت بشدة طائرة متوقفة في مطار الملك خالد الدولي. كما طالت الهجمات شريان الصادرات نفسه: خط أنابيب شرق غرب الذي صار، مع إغلاق هرمز، المنفذ الرئيسي للنفط السعودي عبر ميناء ينبع. وقد توقف الضخ فيه في الرابع من تشرين الأول، بحسب مصدر نقلت عنه فرانس برس، بعد هجوم تبنّاه الحوثيون، ورغم استئنافه بعد يومين يبقى عرضة لضربات جديدة. ويمتد التهديد إلى الناقلات بعد خروجها من ينبع، في ظل حصار بحري أعلنه الحوثيون على السفن السعودية، مع قبول أميركي ضمني. فقد نقلت رويترز أن مسؤولين أميركيين التقوا الحوثيين في مسقط في أيلول، وأن الحوثيين تعهدوا بعدم استهداف السفن الأميركية والتجارية، مستثنين السفن السعودية. وهكذا تخوض السعودية، إلى جانب حربها الهجومية في اليمن، حرباً دفاعية لحماية اقتصادها، تبقى كلفتها قائمة حتى حين تنجح الدفاعات في اعتراض الهجمات.
أما القيد السياسي فيتعلق بطبيعة التحالف نفسه. فقد أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن اتفاقية مكة للدفاع المشترك، التي تجمع بلاده بالسعودية وباكستان، ذات طابع دفاعي، وأن تركيا لن ترسل قوات لتنفيذ هجمات على أراضي بلد آخر. وتتركز مساهمة أنقرة، بحسب فيدان، في الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية والإسناد التقني. ويتحرك الدور الباكستاني ضمن الإطار نفسه، ويرجح أن تحكمه أيضاً حسابات العلاقة مع إيران وتجنب الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة. وتقدم الولايات المتحدة إسناداً استخباراتياً، لكنها امتنعت عن توجيه ضربات مباشرة للحوثيين. وتحتفظ الإمارات بمصالح ونفوذ داخل المعسكر اليمني المناهض للحوثيين لا يتطابقان بالضرورة مع جميع التصورات السعودية لمستقبل البلاد. وهكذا تستطيع السعودية حشد قدرات عسكرية كبيرة، لكنها لا تملك تحالفاً هجومياً موحداً، ولا اتفاقاً بين شركائها على المدى الذي ينبغي أن تصل إليه الحرب.
يكشف ذلك سقف الحرب: الفرق بين إضعاف الحوثيين وإنهائهم. فمن الممكن تقليص قدراتهم العسكرية أو انتزاع مناطق من سيطرتهم، لكن القضاء عليهم كقوة سياسية واجتماعية متجذرة مسألة مختلفة تماماً. ولا يقتصر الأمر على الخصم، فالقوى الجنوبية التي نشأت في كنف الدعم الإماراتي، وبقيت مسلحة بعد حل المجلس الانتقالي، تقاتل اليوم في المعسكر نفسه بولاء مشروط، ويرجح أن تطلب ثمن مشاركتها سياسياً. ولذلك تبدو العودة إلى التفاوض احتمالاً مركزياً، ربما ضمن تسوية سياسية أوسع من التفاهمات الأمنية والاقتصادية السابقة، تتناول شكل الدولة اليمنية والشراكات داخلها وتوزيع السلطة والموارد ومستقبل الجنوب وحدود النفوذ الإقليمي.
والحرب في هذا المعنى ليست بالضرورة بديلاً عن التفاوض، بل قد تكون محاولة لاستعادة التوازن الذي اختل مع التقدم الحوثي، وتحسين شروط العودة إليه. لكن توسيعها يفرض الحاجة إلى مزيد من القوات والموارد، دون ضمان تحويل المكاسب العسكرية إلى نتائج سياسية مستقرة. وكلما طال أمدها، ازدادت كلفتها على السعودية، عسكرياً واقتصادياً وسياسياً. وأحد ما تحتاجه الحملة لتجاوز هذه القيود قوة برية قادرة على التقدم والاحتفاظ بالأرض، وهي قوة لم يعلن أي من الشركاء الحاليين استعداده لتقديمها.
في هذا السياق تكتسب احتمالات المشاركة السورية خطورتها. فقد تجد دمشق نفسها مطالبة بأداء المهمة التي يتجنبها الآخرون: تقديم قوة برية هجومية تتحمل الخسائر المباشرة. تستطيع تركيا وباكستان حصر مشاركتهما في مهام دفاعية، وتستطيع الولايات المتحدة تعديل مستوى إسنادها، وتستطيع السعودية في نهاية المطاف التفاوض مع الحوثيين. أما القوات السورية، إذا دخلت الحرب البرية، فقد تواجه خسائر بشرية وعداءً إقليمياً وتداعيات داخلية لا تنتهي بمجرد توقف العمليات. فقرار الانسحاب العسكري يبقى، من حيث المبدأ، بيد دمشق، أما العداوات التي تنشئها المشاركة والالتزامات التي تترتب عليها فلا تنتهي بمجرد صدوره. ودخول السوريين حرب الآخرين ليس أسوأ ما في الأمر؛ الأسوأ أن يكونوا الطرف الأقل قدرة على الخروج منها عندما يقرر الآخرون التفاوض.
ويضع ذلك السلطة السورية في مأزق. فهي تحاول بناء علاقات أكثر هدوءاً في محيطها، ولا سيما مع العراق ولبنان، وتتجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع إيران. لكنها تعتمد في المقابل على دعم سعودي سياسي واقتصادي كبير، وقد تقف، إذا ثبت وجود الطلب، أمام خيارين كلاهما مكلف: رفض قد يؤثر في علاقاتها مع الرياض، أو قبول يفتح عليها مواجهة إقليمية ويضاعف هشاشتها الداخلية.
قد يرى المدافعون عن المشاركة فيها فرصة: تثبيت الدعم السعودي في لحظة تحتاج فيها السلطة إليه، وفتح باب التمويل لإعادة الإعمار، وتحويل سوريا من متلقٍّ للمساعدة إلى شريك له وزن في حسابات الخليج، وربما منح الجيش الناشئ خبرة قتالية وتماسكاً. ومعظم هذه المكاسب مرهون بمدة الحاجة السعودية إلى القوات السورية، والسؤال الحقيقي هو قدرة دمشق على تحويل المكاسب المؤقتة إلى قدرة وطنية، بدل أن تنشئ المشاركة اعتماداً جديداً. فقيمة الشريك الذي يقدم الجنود ترتفع ما دامت الحرب قائمة، وتنخفض حين تنتقل الرياض إلى طاولة التفاوض، ولا شيء يضمن أن يتحول الدين العسكري إلى التزام سياسي بعد التسوية. والتماسك الذي يكتسبه جيش في حرب يحدد أهدافها طرف آخر يربط وظيفته بحاجة من يموّله أكثر مما يربطها بمجتمعه. وإن ارتبط التمويل بإرسال القوات، صار أقرب إلى أجر عن خدمة منه إلى استثمار في الاستقرار.
وللتجربة السودانية في اليمن نتيجة معروفة تختبر هذه الحسابات. فقد انضم السودان إلى التحالف بقيادة السعودية في آذار 2015، وأرسل قوات قال رئيس الوزراء عبد الله حمدوك عام 2019 إنها بلغت في البداية خمسة عشر ألف جندي، وكان جزء كبير منها من قوات الدعم السريع. وكشفت محاكمة عمر البشير، بحسب ما نقله محقق عن أقواله، أنه تلقى من ولي العهد السعودي خمسة وعشرين مليون دولار خارج موازنة الدولة. لكن هذه العلاقة لم تمنع سقوطه في نيسان 2019. وخرجت قوات الدعم السريع من اليمن بموارد مكنتها، إلى جانب الذهب، من دفع أجور تفوق ما يدفعه الجيش. واحتفظ قائدها محمد حمدان دقلو بمقاتليه بعد تراجع الحاجة إليهم هناك، ثم دخلت قواته في نيسان 2023 حرباً مفتوحة مع الجيش السوداني. ولا يلزم أن تسلك سوريا المسار نفسه حتى تصح العبرة: ثمن الجنود لم يشترِ بقاء السلطة التي أرسلتهم، والقوة التي قاتلت في الخارج قد تعود بموارد وشبكات ولاء واستقلالية أكبر من قدرة مؤسسات الدولة على استيعابها.
ولا حاجة إلى افتراض أن وصول السلطة إلى دمشق كان جزءاً من خطة مسبقة لتوظيفها في حروب المنطقة حتى نفهم خطورة هذه العلاقة. فالدعم الخارجي الذي يساعد سلطة على تثبيت موقعها قد يتحول لاحقاً إلى مصدر التزامات وضغوط، وقد يطالبها الداعمون بأثمان تتجاوز مصالح بلدها وقدرته على تحملها.
ولا يغيّر خلافي البنيوي مع منطق هذه السلطة وممارساتها شيئاً في الحكم على المشاركة في اليمن: لا ينبغي أن يتحول السوريون، بعد كل ما عانوه، إلى قوة عسكرية تُستخدم لتسوية حسابات إقليمية لا يملكون قرارها. لكن السلطة قد تبحث عن مخرجها في الاتجاه الخاطئ، فتحاول الإفلات من التزام مع لاعب إقليمي بالاحتماء بلاعب أكبر، طلباً لغطاء يتيح لها الاعتذار أو لنصيحة ترسم لها الطريق. إنه هروب إلى الأعلى بدل النزول إلى القاعدة. ولا يضمن هذا الصعود الخروج من الالتزام، فللاعب الأكبر حساباته في الإقليم أيضاً، وقد يعيد المطلب نفسه من موقع أقوى، أو يستبدل به التزاماً أثقل.
والمخرج الذي يحمي السلطة من هذه الفواتير يمر بالداخل. فالسلطة التي تعتمد في بقائها على ضمانات الخارج تدفع ثمن هذه الضمانات بعملة الخارج، ويصعب عليها رفض أي طلب جديد لأن الرفض يمس أساس استمرارها. والسلطة التي تستند إلى توافق وطني ومؤسسات تمثيلية تملك قدرة أكبر على قول لا، وعلى الاحتجاج بمجتمعها حين تُطلب منها أثمان لا يحتملها. وقرار بحجم إرسال الجنود إلى حرب خارجية يحتاج إلى توافق يتجاوز السلطة إلى المجتمع، يعرف به السوريون لماذا يقاتل أبناؤهم، ومن يقرر متى يعودون. والهدف الذي يحتاجه السوريون في هذه المرحلة هو الابتعاد عن حروب الآخرين، وهو هدف لا تستطيع إعلانه إلا سلطة يسندها مجتمعها. والوقت المتاح لبناء هذا التوافق صار ضيقاً، فسيف الالتزامات الخارجية مسلط فعلاً، حتى قبل أن يُحسم أمر الطلب اليمني. فاستقرار سوريا يقوم على قدرة سلطتها على تمثيل مصالح السوريين، وعلى ألا يصير مستقبلهم ثمناً تدفعه مقابل ضمانات خارجية مؤقتة.
* * *
Rückzug von Marignano | The Retreat from Marignano | الانسحاب من مارينيانو
Ferdinand Hodler | فرديناند هودلر
1900
Fresco | جدارية (فريسكو)
Swiss National Museum, Zurich | المتحف الوطني السويسري، زيورخ
اختار هودلر أن يرسم الخروج من المعركة: رجال يحملون جرحاهم، ومحارب يحمي ظهورهم وهم يتراجعون. قاتل المرتزقة السويسريون سنة 1515 دفاعاً عن دوقية ميلانو وخسروا، فكانت الحرب لميلانو، بينما الانسحاب المذل لهم وحدهم. وتجعل الرواية السويسرية من تلك الهزيمة بداية ابتعاد الكونفدرالية عن حروب جيرانها، في طريق طويل انتهى بعد ثلاثة قرون إلى حياد اعترفت به أوروبا.



