مشكلة العدالة الانتقالية في سوريا ليست في استقلال الهيئة أو ضعف القدرات الإدارية والتنظيمية للوزارة كما يتم الترويج له، ولا في القوانين أو إجراءات الحوكمة. هذه كلها مسائل ثانوية في مسار يعاني من خلل سياسي سابق عليها جميعاً.
الخطأ الجوهري هو القفز فوق السؤال السياسي التأسيسي، ومحاولة استبداله بنقاش قانوني وإجرائي. فقبل إنشاء هيئة، وقبل تعيين قضاة أو خبراء، وقبل الحديث عن الاستقلالية، يحتاج السوريون إلى الاتفاق على الغاية الوطنية من العدالة الانتقالية نفسها. هل الهدف هو الانتقام أم المحاسبة؟ هل الغاية هي الإنصاف أم المصالحة أم الجمع بينهما؟ من هم الضحايا ومن هم الجناة وفق توصيفات موضوعية للأدوار، لا وفق قوائم أسماء؟ وما الإطار الزمني الذي يعتبره المجتمع جزءاً من هذا المسار؟ وكيف ستُعالج الجذور التاريخية للصراع التي لا يمكن اختزالها في ملفات قضائية؟
هذه الأسئلة وغيرها من النقاط الكثيرة ليست مجرد أسئلة قانونية، بل أسئلة سياسية وأخلاقية ووطنية. والإجابة عنها لا تنتجها هيئة، ولا وزارة، ولا مجموعة منظمات، ولا عشرات ورشات "السلم الأهلي"، بل تحتاج إلى حوار وطني حقيقي يمتلك شرعية تمثيل المجتمع، لا مجرد شرعية الحضور.
وهنا تقع مسؤولية جزء من منظمات المجتمع المدني، التي تبنت سردية مضللة توحي بأن النقص في الشرعية السياسية يمكن تعويضه بتحسين إجراءات الحوكمة، وكأن القوانين قادرة على سد فجوة سياسية بهذا الحجم. والأسوأ من ذلك أنها شاركت وقبلت، بدرجات متفاوتة، اعتبار المهزلة التي سُمّيت "الحوار الوطني" إطاراً صالحاً لبناء توافق سوري، رغم أنه لم يكن حواراً وطنياً بالمعنى السياسي، بل عملية محدودة لا يمكن أن تنتج تفويضاً مجتمعياً لمسار بهذه الخطورة.
وبالمنطق نفسه، جرى رفض أي نقاش جدي حول تشكيل حكومة وحدة وطنية في بداية المرحلة الانتقالية، تحت مقولة أن المنتصر وحده يملك حق تقرير شكل السلطة. واليوم، بعد تثبيت هذا الخلل السياسي، تتم محاولة الترقيع ويجري اختزال الأزمة في ضعف حيادية الهيئة أو قصور الوزارة، وكأن المشكلة تقنية وليست نتيجة لتواطؤ مع مسار سياسي اختار منذ البداية الإقصاء بدل الشراكة.
ولا يعفي ذلك السلطة من مسؤوليتها الأساسية. فهي الطرف الذي صاغ هذا المسار، وحوّل العدالة الانتقالية إلى عملية تفتقر إلى الحد الأدنى من الإجماع الوطني، بما يهدد بتحويلها إلى أداة جديدة لإنتاج الانقسام بدلاً من تجاوزه.
لذلك، فإن استمرار المسار الحالي لا يبدو إصلاحاً ممكناً بقدر ما يبدو تعميقاً للأزمة. والأجدى هو تجميد جميع الإجراءات القضائية والقانونية المرتبطة بهذه الصيغة، إلى حين توافر إطار سياسي يمتلك الحد الأدنى من الشرعية الوطنية.
أما ما ينبغي أن يبدأ فوراً فهو مساران مختلفان تماماً: الأول، إنشاء آلية دولية مستقلة ومحايدة لتوثيق روايات جميع السوريين، بغض النظر عن انتماءاتهم وبالسهولة الممكنة، مع توفير أعلى درجات الحماية للضحايا والشهود، وتأجيل التحقق المنهجي ومقاطعة الروايات والأحداث إلى مرحلة لاحقة، حتى لا تضيع الشهادات بمرور الزمن. والثاني، إطلاق حوارات مجتمعية محلية تتيح للسوريين التعرف إلى مظلوميات بعضهم بعضاً، لأن أحد أخطر آثار الحرب أن كل جماعة باتت ترى نفسها الضحية الوحيدة، بينما لا يمكن بناء عدالة وطنية ما لم يعترف الجميع بأن المأساة كانت أوسع من رواية أي طرف واحد.
العدالة الانتقالية ليست موضوعاً للحلول السريعة، ولا سباقاً على التمويل أو تنفيذ الأنشطة، بل مسؤولية وطنية ترسم شكل سوريا لعقود قادمة. وأي مسار يفتقر إلى الشرعية والتوافق لن يطوي صفحة الماضي، بل سيعيد إنتاج المظالم ويغذي دورات جديدة من العنف تحت عناوين مختلفة.
وفي مثل هذه القضايا، لا مكان للوسطية الزائفة التي تساوي بين المسار الصحيح والمسار الناقص. فالمسؤولية الوطنية تقتضي تسمية الخلل باسمه، لأن التسويات التي تتجاوز جوهر المشكلة لا تبني سلاماً، بل تعزز ديناميكيات الجولة القادمة من الصراع.
”ليست كل القوافل التي تسير تعرف إلى أين تتجه. فحين يغيب الاتفاق على الغاية، يصبح التنظيم والانضباط مجرد وسيلة لقيادة الجميع نحو الهاوية”.
De blinden (The Blind Leading the Blind) – العميان يقودون العميان
Pieter Bruegel de Oude (Pieter Bruegel the Elder) – بيتر بروغل الأكبر
1568 – زيت على قماش



