تتواجه في النقاش السوري الراهن بديهيتان تبدوان متناقضتين، لكنهما في العمق تتحركان داخل المنطق نفسه. الأولى تقول إن الدولة لا تقوم بلا مركز قوي واحتكار للسلاح، والثانية ترد بأن الأمان لا يتحقق إلا عبر اللامركزية والحكم الذاتي. كلا الموقفين يبدو معقولاً لأنه يتحدث بلغة “الضرورة”. لكن المأزق الحقيقي ليس في نقص الضرورات، بل في فائضها: كل طرف يقدّم نفسه كحل وحيد، ثم يستخدم هذه الأحادية للتهرّب من سؤال المشاركة السياسية.
حين تستدعي السلطة “مركزية الدولة”، فهي تستحضر صورة جذابة: مؤسسات موحّدة، قانون واحد، جيش نظامي، واحتكار شرعي للعنف. لكن ما يحدث غالباً هو انزلاق سريع من “المؤسسة” إلى “الشبكة”، ومن “الدولة” إلى “القرار الفردي”. تتحول المركزية من تنسيق مؤسسات يضمن الحقوق إلى تركيز للقوة في يد دائرة ضيقة تحتكر تعريف الوطنية وتوزّع صكوك الشرعية. ويصبح مطلب “إنهاء التعدد المسلح” مدخلاً لإنهاء التعدد السياسي نفسه.
الفرق هنا جوهري: احتكار العنف قد يكون شرطاً لقيام الدولة، لكنه ليس رخصة للهيمنة. الدولة لا تُقاس بامتلاك السلاح، بل بإخضاعه لقواعد عامة قابلة للمحاسبة، وبقدرتها على تحويل القوة إلى خدمة، والقرار إلى إجراء مؤسسي. أمّا حين يُستبدل ذلك بمنطق “الطاعة مقابل الاستقرار”، فإن المركزية تعيد إنتاج مركز واحد بلباس جديد، وتنتج وحدة شكلية تُغلق المجال العام بدل أن تفتحه.
في الجهة المقابلة، حين ترفع الأطراف شعار اللامركزية، فهي تنطلق من ذاكرة واقعية وتجربة تاريخية لم يكن فيها المركز السوري محايداً، بل عرّف المواطن وفق قربه من السلطة، وتعامل مع الأطراف كمناطق تابعة لا كشركاء. لذلك من المفهوم أن تتحول اللامركزية، في هذا السياق، إلى وعد بالحماية ومساحة للنفَس السياسي. لكن حين تُختزل إلى ابتعاد عن المركز لا إلى إعادة توزيع للسلطة ضمن عقد وطني، تتحول — إذا استطاعت الصمود — إلى شكل من إدارة الخوف: جيوب محلية تبحث عن أمانها الخاص، تستثمر في تقليل الاحتكاك، وتستبدل الصراع السياسي العام بترتيبات دفاعية. كأنها تقول: دعونا ننجو أولاً، ثم نفكّر لاحقاً بالوطن.
نحن إذاً أمام ثنائية مُضلِّلة: مركزية تُقدَّم كوحدة لكنها تحمل الإقصاء في داخلها، ولامركزية تُقدَّم كحرية لكنها تحمل الانسحاب من السياسة. ما يجمع الطرفين ليس التناقض بل التشابه: كلاهما يقترح حلاً إدارياً لمعضلة سياسية. المركز يعالج أزمة الشرعية بالقوة، والأطراف تعالج أزمة الأمان بالجغرافيا. وفي الحالتين يُهمَّش السؤال الأساسي: كيف نُنتج سلطة مشتركة؟
لهذا يصبح التفريق ضرورياً بين مركزية المؤسسات ومركزية القرار، وبين لامركزية المشاركة ولامركزية التحصّن. مركزية المؤسسات تعني قانوناً واحداً يقيّد الجميع، وحقوقاً متساوية، وأجهزة أمن خاضعة للمساءلة، ومالية عامة شفافة، وتمثيلاً سياسياً مفتوحاً. أما مركزية القرار فتعني شخصنة الدولة، وتسييس الأمن، وتجريم الاختلاف. وعلى الضفة الأخرى، لامركزية المشاركة تعني نقل الصلاحيات لتتسع السياسة، وفتح منافذ تمثيل محلي مرتبطة بمسار وطني جامع، بينما لامركزية التحصّن تعني إدارة العزلة وتخفيض التوتر بالانكفاء.
الأزمة ليست في أن السلطة تريد وحدة البلاد، ولا في أن الأقليات تخاف من المركز. الأزمة في أن “الوحدة” تُستعمل بديلاً عن العقد، وأن “اللامركزية” تُستعمل بديلاً عن السياسة. وبين هذين البديلين لا تتشكل شرعية، بل معادلة ضبط: مركز يفرض، وأطراف تلوذ، وكل طرف يبرّر موقعه بالضرورة.
الخروج من هذه الحلقة لا يكون بالانتصار لمفهوم ضد آخر، بل بتغيير نقطة البدء. لا نبدأ من شكل الدولة، بل من شروط السياسة: مشاركة حقيقية، مساءلة فعلية، فضاء عام، قواعد لا امتيازات، واعتراف متبادل بأن الدولة ليست ملكاً للمركز، وأن اللامركزية ليست حقاً حصرياً للأطراف.
في التمثيل العملي للواقع اليوم، قدّم الكرد والسويداء صورتين مختلفتين للمأزق نفسه: الأولى بنت إدارة بلا سياسة وطنية كافية، والثانية بنت احتجاجاً بلا قناة سياسية فعّالة. في الحالتين جرى التعويض عن غياب السياسة إمّا بالإدارة أو بالمسافة.
الملف الكردي يمكن قراءته كنموذج تحوّل قابل للبناء عليه وطنياً. لسنوات طويلة، تشكّلت تجربة الإدارة الذاتية بوصفها مساحة حماية من مركز مهيمن، ثم تحولت تدريجياً إلى منظومة مكتفية بذاتها: مؤسسات محلية، قوة عسكرية، واقتصاد منفصل نسبياً. هذا النموذج وفّر استقراراً نسبياً، لكنه بدأ يتحول إلى عائق حين صار يفكر بالإدارة الذاتية كنهاية، لا كمرحلة انتقالية.
اليوم، بعد التفاهمات الأخيرة بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، والتي استطاعت — بضغط أميركي–فرنسي — الحفاظ على هيكليتها العسكرية والحصول على حماية ومساحة إدارة محلية، ومع الحديث عن تمثيل محتمل في وزارات سيادية كالدفاع والداخلية والخارجية، تفتح فرصة نادرة: الانتقال من منطق الإدارة الذاتية المغلقة إلى منطق الشراكة السياسية المفتوحة. ما يجري ليس مجرد ترتيبات وظيفية، بل محاولة لتحويل موقع الصراع نفسه — من الأطراف إلى المركز، ومن خطوط التماس إلى مؤسسات الدولة.
وللمرة الأولى، لا يُفهم الدخول إلى المركز كذوبان فيه، بل كاشتباك سياسي من الداخل: محاولة لإجبار الدولة على أن تصبح سياسية لا أمنية فقط، ولتحويل وزارات السيادة إلى ساحات نقاش عام حول معنى الأمن، وحدود القوة، وتعريف المواطنة. إنها إمكانية لإظهار نموذج مختلف للفعل السياسي: مشاركة من الداخل، مسنودة بقاعدة محلية، قادرة على فضح الاختلالات، واقتراح البدائل، وترك آثار مؤسسية صغيرة لكنها تراكمية.
هنا تتحول اللامركزية من مجرد صلاحيات إدارية إلى مشروع متكامل بثلاث طبقات مترابطة: سياسية (تمثيل محلي ومشاركة وطنية)، وإدارية–أمنية (خدمات وأمن مجتمعي)، واقتصادية (مالية محلية وتنمية مرتبطة بالحقوق لا بالولاء). وتتحول القاعدة المحلية إلى رأسمال سياسي، لا جيباً معزولاً، في انتقال من التقوقع إلى المشاركة المحمية: مشاركة لا تقوم على إذن المركز وحده، بل على قاعدة توافقية توفّر حماية سياسية وقدرة تنفيذ وشرعية قابلة للبناء.
وعلى الضفة الأخرى، تستحق السويداء قراءة موازية. الحراك هناك انطلق من مطالب محقّة، لكنه مع الوقت أصبح حالة احتجاج قوية أخلاقياً، ضعيفة سياسياً. بغياب أفق تفاوضي واضح مع المركز، وبالاعتماد على خطاب الاستقلال الرمزي، تحولت الطاقة الاحتجاجية إلى موقف دفاعي. السويداء لا تواجه المركز سياسياً بقدر ما تتجنبه. وما ينقصها اليوم ليس الشرعية الأخلاقية، بل أدوات السياسة: تمثيل تفاوضي، برنامج مطالب تدريجي، وربط المحلي بالوطني بدل الاكتفاء بحماية المجال المحلي.
هنا تبرز أهمية النموذج الانتقالي الممكن عبر الملف الكردي: قاعدة محلية + مشاركة في المركز. نموذج يمكن البناء عليه باتجاه السويداء، وربما لاحقاً الساحل وحلب ومناطق أخرى، بوصفه حالة انتقالية يُختبر فيها معنى اللامركزية، وطريقة الاشتباك مع المركز، وإمكانية تحويل الاحتجاج أو الإدارة إلى سياسة.
بطبيعة الحال، لا تقع مسؤولية تطوير هذا النموذج على الأطراف وحدها. المركز مطالب بخطوات بنيوية: تحويل احتكار العنف إلى وظيفة خاضعة للقانون، إطلاق مسار تمثيلي حقيقي للمناطق، الاعتراف بالتعدد السياسي كجزء من الوحدة، وبناء آليات تفاوض مؤسسية بدل التعامل مع المجتمع كملف أمني. من دون ذلك ستبقى “الوحدة” خطاباً، وستظل اللامركزية رد فعل دفاعي.
عملياً، يمكن فتح هذا المسار عبر إنشاء منصات تفاوض محلية–وطنية متزامنة، بتمثيل منتخب من المناطق وبرعاية إطار مدني–قانوني مستقل، تُناقَش فيها الصلاحيات، وضمانات الحقوق، وآليات دمج القوى ضمن مؤسسات خاضعة للرقابة. من دون قنوات كهذه، سيبقى كل طرف يتحدث إلى نفسه، ويتراكم الكمون المحلي حتى يتحول إلى انفجار جديد.
هذه المنصات قد تكون بداية للإجابة على سؤال وجودي أوسع: كيف يمكن تحويل الخبرات المحلية — سواء في الإدارة الذاتية أو في الحراك المدني — إلى بنية تمثيل وطني لا تذيب الخصوصيات ولا تعزلها، بل تعيد إدخالها في سياسة مشتركة؟
عندها فقط يصبح احتكار العنف وظيفة لا سيادة مطلقة، وتصبح اللامركزية مشاركة لا انسحاباً. وما لم يحدث هذا التحول، ستبقى “الوحدة” اسماً آخر للإقصاء، وستبقى “اللامركزية” اسماً آخر للتقوقع، وستظل السياسة مؤجلة لصالح إدارة الخوف وعودة دورات العنف.



