When Victimhood Turns from a Wound into an Identity
What the Last Ten Minutes of Egypt vs Argentina Tell Us about Syria
Starting from the last ten minutes of a football match between Egypt and Argentina, this piece asks why accumulated strength can collapse in moments. Injustice deserves to be named, but when grievance becomes the only explanation, a society stops asking “what should we learn?” and asks only “who did this to us?”. Japan kept the memory of Hiroshima without letting it cancel a reckoning with its own responsibility. Syria, lacking shared symbols and a common national story, risks turning each group’s memory into a separate grievance, and each grievance into a separate identity.
الدقائق العشر
كل شيء اختلف بعد أن سجلت الأرجنتين هدفها الأول قبل عشر دقائق من نهاية المباراة. لم يكن الهدف مجرد تقليص للفارق، بل اللحظة التي انتقلت فيها المباراة من ملعب التكتيك إلى ملعب الذهن. حتى ذلك الوقت كان المنتخب المصري يلعب بثقة من يفرض إيقاعه على اللقاء، متقدماً بهدفين على أحد أعظم منتخبات العالم. ثم تبدل السؤال الذي يحكم أداء اللاعبين؛ فلم يعد: كيف نواصل فرض شروطنا؟ بل أصبح: كيف نحافظ على ما تبقى؟ وهذا أخطر تحول يمكن أن يصيب فريقاً متقدماً. فالفرق التي راكمت خبرة وثقة عميقة تعرف أن الدقائق الأخيرة لا تُدار بالخوف بل بالسيطرة: تبطئ الإيقاع، وتحتفظ بالكرة، وتفرض على خصمها أن يركض خلفها. أما حين يتسلل التوتر، فإن الغريزة تحل محل الخبرة؛ تتراجع الخطوط، وتُشَتَّت الكرات، ويضيق التفكير، ويصبح الزمن نفسه خصماً.
وفي الجهة المقابلة كانت عملية معاكسة تماماً تجري بالسرعة نفسها. فالأرجنتين، التي لعبت معظم المباراة تحت ضغط التأخر، لم ترَ في الهدف مجرد تقليص للفارق، بل استعادة للإيمان بإمكان العودة. ومع كل دقيقة كانت ثقتها تكبر بقدر ما كانت ثقة مصر تتراجع، حتى حُسمت المباراة نفسياً قبل أن تُحسم على لوحة النتيجة. وبينما كان الفريق المتقدم ينتقل، مستفيداً من الزخم النفسي الذي صنعه الهدف الأول وعززته القرارات التحكيمية المثيرة للجدل، كان المنتخب المصري ينتقل من عقلية التحكم باللعب والسيطرة على المجريات إلى عقلية المظلومية؛ من البحث عن الحل التالي إلى الانشغال بما جرى في اللحظة السابقة.
ومع هدف التعادل، لم أعد أتابع الكرة بقدر ما أصبحت أراقب المنطقة الفنية وأداء المدرب. ففي كثير من فرقنا، كما في مجتمعاتنا، لا يكون المدرب مجرد واضع للخطة، بل السلطة الأبوية التي يستمد منها الجميع حالتهم النفسية؛ يقرأ اللاعبون هدوءه قبل أن يسمعوا تعليماته، ويستعيرون ثقتهم من ثباته أكثر مما يبنونها من داخلهم. وهذه هي المعادلة الأبوية نفسها التي تحكم علاقتنا بالسلطة في البيت والمدرسة والسياسة: طمأنينة مستعارة تعمل ما دام الأب متماسكاً، فإذا اهتز انهار معه الجميع. وهكذا حين ارتبك المدرب في تلك الدقائق، لم يخسر الفريق خطته فقط، بل خسر كل لاعب ثقته الشخصية، لأن هذه الثقة لم تكن يوماً ملكه وحده.
لم يكن الهدف الأول هو الذي حسم المباراة، بل الطريقة المختلفة التي استجاب بها كل فريق له. ففي اللحظة نفسها التي تعاملت فيها الأرجنتين مع الحدث باعتباره فرصة، تعاملت معه مصر باعتباره تهديداً. والحدث الواحد لا يصنع المصير، وإنما الطريقة التي تستجيب بها المجتمعات والأفراد والمؤسسات له.
كنت أتابع كل ذلك بعين مشدودة إلى ما هو أبعد من الملعب. فعلاقتي بمصر من تلك العلاقات التي تستقر في الوجدان قبل أن يعثر العقل على تفسير لها. وحين سجلت مصر هدفها الثاني خرجت مني العبارة بعفوية لم أخطط لها: «عمار يا مصر». لم تكن مجرد صرخة احتفاءً بهدف، بل باحتمال أن أرى أمامي، ولو للحظات، كيف يترجم التراكم نفسه داخل الملعب. فالعمران لا يظهر في الأبنية الشاهقة وحدها، بل في المؤسسات والمدارس والجامعات والفن، وفي قدرة مجتمع كامل على تحويل عقود من التراكم إلى أداء واثق. والثقة، كما العمران، لا تُبنى في مباراة واحدة، بل في سنوات طويلة، ولهذا كان ما جرى بعد ذلك أكثر إثارة للتفكير من المباراة نفسها. ومن دون أن أشعر وجدت نفسي أقارن بين مجتمع استطاع، رغم كل أزماته، أن يحتفظ بحد أدنى من الرموز الوطنية يلتف حولها الناس تلقائياً، ومجتمع آخر، هو مجتمعي السوري، فقد حتى هذا الحد الأدنى، فأصبح يختلف على العلم والنشيد والمنتخب كما يختلف على السياسة والتاريخ. لكن الدقائق العشر الأخيرة انتزعتني من التفكير في البناء إلى سؤال أعمق: ما الذي يجعل التراكم نفسه ينهار في لحظات؟
السؤالان
عندما انتهت المباراة، لم يلفت انتباهي الجدل حول التحكيم بقدر ما لفتني ما جاء بعده. فالاعتراض على قرارات الحكم كان مفهوماً، ورأى كثير من المحللين والحكام السابقين أن بعضها أثّر في مجرى اللقاء. لكن النقاش العام لم يتوقف تقريباً عند أي سؤال آخر. خلال ساعات قليلة بدا وكأن المباراة كلها اختُزلت في الحكم، وكأن الدقائق العشر الأخيرة لم تشهد انهياراً نفسياً، ولا ارتباكاً تكتيكياً، ولا فرصة ضائعة لإدارة الأزمة بصورة مختلفة.
عندها أدركت أنني لم أعد أتابع نقاشاً رياضياً، بل نمطاً في التفكير يتكرر في مجالات كثيرة من حياة المجتمعات. فالظلم، حين يقع، يستحق أن يُسمى باسمه، والاحتجاج عليه حق لا جدال فيه. غير أن المشكلة تبدأ عندما يتحول من أحد عناصر تفسير الواقع إلى التفسير الوحيد له. عندها لا يعود السؤال: ماذا كان يمكن أن نفعل بصورة أفضل؟ بل يصبح: من الذي فعل بنا هذا؟ وقد يبدو الفرق بين السؤالين بسيطاً، لكنه في الحقيقة الفارق بين مجتمع يتعلم من أزماته ومجتمع يعيد إنتاجها.
فالمراجعة الذاتية لا تنفي وجود الظلم، كما أن الاعتراف بالظلم لا يعفي من مراجعة الذات. لكن عندما تطغى المظلومية على كل ما عداها، تصبح المحاسبة الداخلية فعلاً مؤلماً يُفهم وكأنه تبرئة للخصم، ويتحول الاعتراف بالخطأ إلى نوع من الخيانة، بينما يغدو البحث عن المسؤول الخارجي أكثر راحة من مساءلة النفس. وهنا تحديداً تنقطع سلسلة التعلم: لا يعود المجتمع يرى في الهزيمة فرصة لاكتشاف ما يجب تغييره، بل دليلاً جديداً يؤكد الرواية التي كان يحملها منذ البداية.
الانتقال من عقلية السيطرة إلى عقلية المظلومية يعني أن يتوقف العقل عن البحث في ما يستطيع تغييره، ويبدأ بالانشغال بما فُرض عليه. وهذه لحظة نفسية خطيرة، لأنها تنقل الإنسان، والفريق، وربما المجتمع كله، من موقع الفاعل إلى موقع المفعول به.
الدرس الياباني
وليس هذا خاصاً بالرياضة، ولا بمجتمع دون آخر. فالشعوب لا تختلف في حجم المظالم التي تعرضت لها بقدر ما تختلف في الطريقة التي تعاملت بها معها. ولعل التجربة اليابانية بعد الحرب العالمية الثانية تقدم أحد أكثر الأمثلة إثارة للتأمل. فقد تعرضت هيروشيما وناغازاكي لكارثة إنسانية غير مسبوقة، قُتل فيها عشرات الآلاف في دقائق معدودة، وترك السلاح النووي جرحاً ما زال حاضراً في الذاكرة اليابانية حتى اليوم. لم يكن ذلك وهماً ولا سردية متخيلة، بل مظلومية حقيقية بكل المقاييس، وكان من الممكن أن تتحول إلى القصة الوحيدة التي يروي بها اليابانيون تاريخهم الحديث.
لكن ما حدث كان أكثر تعقيداً. لم يحاول اليابانيون الاختيار بين ذاكرة الضحية ومراجعة الذات، بل سعوا، بدرجات متفاوتة، إلى الاحتفاظ بالأولى دون أن يسمحوا لها بإلغاء الثانية. فبينما بقيت هيروشيما وناغازاكي جزءاً من الذاكرة الوطنية، خضعت الدولة والمجتمع لمراجعة عميقة للعقيدة العسكرية التي قادت إلى الحرب، وللسياسات الإمبراطورية التي دفعت اليابان إلى ارتكاب فظائع في الصين ومنشوريا ومناطق أخرى من آسيا. صحيح أن هذه المراجعة ظلت ناقصة ومتنازعاً عليها حتى اليوم، من أزمات الكتب المدرسية إلى الجدل المتجدد حول ضريح ياسوكوني، لكن هذا النقصان نفسه يؤكد الدرس: الخروج من المظلومية مسار طويل تتنازعه القوى، لا لحظة يُعلن فيها الشفاء. المهم أن الاعتراف بالمأساة لم يلغِ الاعتراف بالمسؤولية، كما أن الاعتراف بالمسؤولية لم يؤدِّ إلى إنكار المأساة.
فالذاكرة تحفظ الألم، أما الهوية فتحدد طريقة التعامل معه. وعندما تبقى المظلومية في حدود الذاكرة، فإنها تصبح حافزاً لبناء المستقبل. أما حين تتحول إلى هوية مغلقة، فإنها تبتلع كل ما عداها، فلا يعود المجتمع يرى في أزماته سوى الأدلة التي تؤكد روايته السابقة، ويتوقف عن طرح السؤال الوحيد القادر على صناعة التراكم: ماذا ينبغي أن نتعلم مما حدث؟
العودة إلى سوريا
من هنا أعود إلى سوريا. فالمسألة لم تعد تتعلق بمنتخب كرة قدم، ولا بالرياضة أصلاً، بل بشروط بناء المجتمع والدولة. فالتراكم الحضاري لا يتوقف عندما تتعرض الأمم للهزائم، ولا حتى عندما تتعرض للمظالم، بل يتوقف عندما تفقد قدرتها على تحويل تلك الهزائم والمظالم إلى معرفة. والمشكلة السورية اليوم أعمق من الاقتصاد وأخطر من السياسة: إنها أزمة مجتمع فقد، خلال سنوات طويلة، كثيراً من الإطار الوطني الذي يسمح بتحويل التجارب المتراكمة إلى خبرة مشتركة. يكفي أن نتذكر أن السوريين ما زالوا يختلفون على العلم الذي يرفعونه والنشيد الذي ينشدونه وتاريخهم القريب والبعيد، ومن هو الأكثر مظلومية من غيره. وحين يغيب الرمز الجامع، والسردية الوطنية ،يصبح أسهل على كل طرف أن يبني هويته على مظلوميته الخاصة، فيقرأ كل حدث، من أصغر أزمة خدمات إلى أكبر استحقاق سياسي، بعدسة «من الذي فعل بنا هذا؟» بدل «ماذا نتعلم مما حدث؟». وعندها لا تعود المظلومية مجرد تجربة عاشها الناس، بل الطريقة التي يرون بها أنفسهم، ويرون بها الآخرين، ويفسرون بها كل ما يجري حولهم.
فالتراكم لا يحتاج إلى مؤسسات فقط، بل يحتاج أيضاً إلى قصة وطنية مشتركة تستطيع أن تحمل نجاحات المجتمع وإخفاقاته معاً. وحين تغيب هذه القصة، تتحول كل جماعة إلى ذاكرة مستقلة، ثم إلى مظلومية مستقلة، ثم إلى هوية مستقلة.
حين صرخت خلال المباراة: «عمار يا مصر»، كنت أظن أنني أحتفي بهدف جميل. لكنني أدركت بعد انتهائها أن العمران الحقيقي لا يظهر في المدن وحدها، بل في الطريقة التي تواجه بها الأمم لحظات الانكسار. فالتراكم لا يختبره النجاح، بل تختبره الهزيمة. والأمم لا تنهض لأنها أقل تعرضاً للمظالم، بل لأنها أكثر قدرة على مقاومة الإغراء الأكبر الذي تتركه المظلومية وراءها: أن تتحول من جرح ينبغي مداواته إلى هوية وإدمان يُعاد إنتاجهما مع كل جيل. وحين يحدث ذلك، لا يعود الألم بدايةً للتراكم، بل عاملاً تعزيزياً لدائرة الموت الأبدية.
#سوريا_لك_السلام
Narciso, Caravaggio
Narcissus, Caravaggio
نرجس”، كارافاجيو (حوالي 1597-1599)
Oil on canvas, Palazzo Barberini, Rome



