حين خرج محمد حسام الدين غميرة من قسم شرطة الحفة في حالة حرجة بعد احتجازه والاعتداء عليه، ثم توفي في المشفى، لم يكن ممكناً التعامل مع ما جرى بوصفه خطأً مسلكياً محدوداً. فالاعتداء على محتجز جريمة قائمة بذاتها، ووفاته تفرض تحقيقاً مستقلاً في سلسلة المسؤولية، يشمل من اعتدى وأمر وسمح وأهمل وتستر، ولا ينتهي عند المنفذين المباشرين أو عند لجنة تشكلها المؤسسة المتهمة. فالجهة التي تحتجز شخصاً تصبح مسؤولة عن حياته وسلامته، سواء كانت دولة مكتملة المؤسسات أم سلطة أمر واقع، ولا تكتمل المحاسبة ما لم تنتج عنها ضمانات تمنع تكرار الجريمة مع أي محتجز آخر. (تفاصيل القضية)
ضمن هذا المعنى، كان النشاط الحقوقي والإعلامي والاحتجاجي ضرورياً ومؤسساً، لأن بناء الدولة لا يتم بالقوانين وحدها، بل بالحدود التي يفرضها المجتمع على استخدام السلطة للقوة، وبقدرة القضاء والرقابة المدنية على دخول أماكن الاحتجاز. وقد حملت الاحتجاجات التي أعقبت وفاة غميرة مطالب تتجاوز قضيته إلى منع التعذيب وكسر الإفلات من العقاب، بما يتيح تحويل هذه اللحظة إلى قاعدة عامة لحماية كل محتجز.
كما يمكن فهم أن تبدأ التعبئة من قضية منيعة نسبياً على التشكيك؛ فقد قُدِّم غميرة في الخطاب العام بوصفه «ابن ثورة»، وعمل في الدفاع المدني، وقُتل والده في معارك الغوطة، ولذلك امتلكت قضيته داخل الجماعة المؤيدة للسلطة غطاءً أخلاقياً يصعب اختراقه باتهامات «الفلول» أو «البيئة الحاضنة». وليس خطأً، تكتيكياً، الانطلاق من حالة يصعب على السلطة ومؤيديها تخوينها لتثبيت مبدأ منع التعذيب، لكن قيمة التكتيك تُقاس بقدرته على نقل الحماية إلى من لا يملكون السيرة والانتماء نفسيهما.
فغميرة لم يكن أول من مات بعد احتجازه لدى السلطات الجديدة. في شباط 2025 وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل محمد لؤي طيارة ورضوان حسين محمد وبدر محيي صقور بعد احتجازهم خلال حملات استهدفت مرتبطين أو مشتبه بارتباطهم بقوات النظام السابق، وطالبت بتحقيقات مستقلة ومحاسبة لا تستثني أحداً، فيما وثقت تقارير أخرى استمرار التعذيب وسوء المعاملة وحالات الوفاة في مراكز احتجاز مختلفة.
المشكلة، إذن، ليست أن المؤسسات الحقوقية لم ترَ الضحايا الآخرين، بل أن التوثيق المتعدد لم ينتج ذاكرة متعددة: بقيت أسماء كثيرة داخل التقارير، بينما امتلك غميرة السيرة والشبكات واللحظة التي نقلته من ملف حقوقي إلى احتجاج عام، ثم إلى اقتراح بالتخليد. ولا يمكن رد هذا التفاوت إلى الهوية وحدها؛ فقد أسهم فيه التوقيت وقوة القصة وعلاقاته وتراكم الوقائع السابقة، لكن هذه الصفة حصّنت قضيته أخلاقياً ومنحتها قابلية للتبني لم تحظ بها حالات سبقته.
هنا يظهر الفرق بين المطالبة بالعدالة لأن سلطة اعتدت على مواطن كان في عهدتها، والمطالبة بها لأن سلطة خرجت من الثورة اعتدت على واحد من أبناء الثورة. في الحالة الأولى يكون الإنسان هو صاحب الحق، وتصبح السلطة مسؤولة عن حياته وكرامته أياً كانت هويته أو تهمته أو علاقته بها؛ أما في الثانية فتكون الجماعة هي صاحبة الحق، وتصبح الجريمة خيانة ارتكبتها السلطة المنتصرة بحق أحد أبنائها. وعندها قد يتحول الإصلاح، من حيث لا يقصد أصحابه، من منع السلطة من استباحة الإنسان إلى منعها من استباحة الأشخاص الذين تعترف الجماعة بأنهم ينتمون إليها.
ولكي نختبر الفرق، يكفي أن نتخيل أن اسمه لم يكن محمد غميرة، بل علي غميرة، وأنه كان علوياً من الساحل وأحد رجال الإطفاء الذين قاتلوا النار بما توفر لهم في مناطق عجزت الآليات عن الوصول إليها، حتى بدت أيديهم العارية أحياناً آخر ما يملكون. ماذا لو استُدعي علي إلى مخفر، ثم احتُجز واعتُدي عليه وخرج في حالة حرجة ومات؟ هل كانت صوره ستنتشر بالطريقة نفسها، وهل كانت شهادة زوجته ستُستقبل بالثقة ذاتها، وهل كان سيُسمى شهيداً ويُقترح وضع اسمه في مراكز الشرطة، أم كانت الأسئلة ستبدأ من طائفته وماضي أسرته وعلاقتها بالنظام السابق، ومن احتمال استخدام قضيته للتحريض؟
وليس علي غميرة مجرد مثال طائفي افتراضي، بل اسماً يمكن أن يحمله سوريون من مختلف المناطق يعرف القارئ أمثالهم؛ فقد يكون ابناً لمن قُتل بقذيفة هاون سقطت على حي مدني أو بتفجير سيارة مفخخة، وقد يكون هو نفسه رجل إطفاء حكومياً خاطر بحياته في الأحراج، أو مسعفاً حاول إخراج العالقين تحت أنقاض الزلزال من دون معدات كافية، أو طبيباً أو ممرضاً عمل أياماً متواصلة في مستشفى عاجز، أو عاملاً في طوارئ الكهرباء صعد الأعمدة وأصلح الشبكات وسط القصف والبرد، أو متطوعاً خدم في مخيمات النزوح، أو شرطياً أدى خدمته من دون أن يكون جزءاً من القمع. بعض هؤلاء خدموا الناس داخل مؤسسات منهكة وبإمكانات شبه معدومة، وبعضهم الآخر عاش خسارات لم تدخل السردية المنتصرة، لكن أسماءهم وتجاربهم لا تجد مكاناً مماثلاً في الذاكرة الجديدة. ولا يعني تذكرهم الانتقاص من تضحيات مؤسسات أخرى، بل رفض احتكار الفضيلة المدنية ومصادرة كل خدمة عامة أداها السوريون خارج المؤسسات المحسوبة على الثورة.
تستدعي هذه المفارقة أبيات أديب إسحاق، التي تختصر قدرة الضمير العام على رؤية الجريمة حين تكون ضحيتها قريبة منه، وتحويلها إلى موضوع قابل للنظر حين تتغير هوية الضحايا:
قتلُ امرئٍ في غابةٍ
جريمةٌ لا تُغتفر
وقتلُ شعبٍ آمنٍ
مسألةٌ فيها نظر
لا تُستدعى الأبيات للتقليل من جريمة قتل محمد غميرة؛ فهي بحد ذاتها جريمة لا تُغتفر، وإنما لتفسير مفارقة تمنح فرداً اسماً وصورة وسيرة ومكاناً دائماً في الوجدان، بينما يبقى قتل جماعات كاملة محاطاً بالتشكيك والتبرير و«السياق الأمني». وقد وثقت تقارير أممية ودولية عمليات قتل جماعي وانتهاكات جسيمة في الساحل والسويداء، لكن مجتمعات الضحايا ما زالت مضطرة إلى إثبات براءة موتاها قبل أن تطلب العدالة لهم. (تقرير لجنة التحقيق عن الساحل، تقريرها عن مجازر السويداء) ولذلك ليست المشكلة أن نتذكر غميرة، بل أن يصبح وضوح جريمته دليلاً إضافياً على قدرتنا على نسيان من لم يمتلكوا الهوية التي تجعل موتهم مرئياً.
هذا التفاوت لا يتعلق بالتعاطف وحده، بل بما يمكن تسميته «المواطنة التذكارية»: قدرة الضحية على أن يُعترف بموتها بوصفه خسارة وطنية عامة، لا حادثة تخص طائفتها أو منطقتها أو ماضيها السياسي. ففي هذه المواطنة غير المكتوبة يموت بعض الناس مواطنين، فيصبح موتهم شأناً وطنياً، بينما يموت آخرون أبناء جماعات متهمة، فيبقى موتهم شأناً خاصاً أو رقماً في ملف أمني. وعندما تحتاج الضحية إلى إثبات أنها «منّا» قبل الاعتراف بحقها، يعاد تعريف الحق نفسه على أساس العضوية في الجماعة.
ولا يستطيع هذا النوع من الحماية أن يحمي أبناء الجماعة إلى الأبد، لأن السلطة غير المقيدة تتعلم أن الجسد الذي يفقد الحماية يصبح مباحاً. فالمحقق الذي يعتاد ضرب من يُتهم بأنه من «الفلول» لا يتعلم فقط من هم الفلول، بل يتعلم أن الضرب أداة متاحة، والمؤسسة التي تكتشف أن المجتمع يتسامح مع انتهاكاتها متى اختارت الضحية المناسبة لن تجد سبباً للتخلي عن أداة أثبتت فاعليتها. لهذا لا تبقى الاستباحة حيث تبدأ؛ فإذا لم تجد السلطة مستباحين خارج دائرتها أعادت إنتاجها داخلها، لأنها لم تتعلم منذ البداية أن الإنسان ليس شيئاً مباحاً في يدها. ومن هنا لا يكون الدفاع عن علي غميرة تنازلاً لجماعة أخرى، بل شرطاً لحماية محمد غميرة نفسه.
يبقى مستوى العدالة، مع ذلك، مختلفاً عن مستوى الذاكرة؛ فالعدالة تحدد المسؤولية وتحاسب، والحوكمة تضع ضمانات المستقبل، أما الذاكرة فتحدد من يمثل الجماعة ومن يدخل حكايتها. في هذا المستوى طُرحت فكرة تسمية ساحة أو وضع اسم غميرة في مراكز الشرطة كي يبقى في وجه النسيان. والنقد هنا لا يطعن في النوايا، بل يتناول الأثر الرمزي لاختيار اسم واحد ونقله من سجل الضحايا إلى مرتبة الرمز الوطني.
وقد يقال، بحق، إن كل قضية عامة تحتاج إلى وجه يختصرها، وإن اختيار غميرة لا يعني تلقائياً إنكار غيره، فالذاكرة لا تستطيع تحويل كل ضحية إلى اسم ساحة. لكن الاختيار يصبح إقصائياً عندما ينفصل الرمز عن القاعدة التي يمثلها، ويُخلَّد غميرة وحده فيما يبقى من سبقه ومن لا يشبهه أسماءً في التقارير. فالسؤال ليس لماذا اختير، بل بأي صفة يدخل الذاكرة، ومن يدخل معه، وما الذي يتغير بعد دخوله.
يمكن لغميرة أن يصبح رمزاً وطنياً إذا دخل بوصفه المواطن الذي مات بعد الاعتداء عليه في عهدة سلطة كانت مسؤولة عن حياته، وارتبط اسمه بكل من تعرض للتعذيب أو مات في الاحتجاز، لا بوصفه «ابن ثورة» قتلته سلطة الثورة. ولا يتطلب ذلك حذف اسمه أو انتظار اكتمال سجل الضحايا، بل ربط تخليده بسجل علني للوفيات في الاحتجاز، وتحقيق مستقل يُفتح تلقائياً في كل وفاة، وميثاق لكرامة المحتجز يطبق على الجميع. لا نحتاج إلى حذف اسم محمد كي ندخل اسم علي، بل إلى ذاكرة لا يدخل محمد فيها وحده.
ليست الذاكرة الانتقائية أشد جرماً من قتل إنسان، لكنها في لحظة تأسيسية قد تكون أشد خطراً واستمراراً، لأنها تصوغ الدستور الأخلاقي غير المكتوب للمجتمع، وتخبر الأجيال بمن كان جديراً بالحزن ومن بقي موته «مسألة فيها نظر». لذلك ينبغي محاسبة كل من اعتدى على غميرة أو أهمل علاجه أو تستر على الجريمة، وتحويل قضيته إلى ضمانات تشمل الجميع؛ لكن اكتمال العدالة لا يبيح جعل انتمائه أساساً لحقه فيها، ولا يكون اسمه جسراً إلى ذاكرة وطنية إلا إذا فتح بابها لمن لا تحميهم طائفة أو منطقة أو سيرة سياسية أو مؤسسة مشهورة، ولا تملك أسرهم القوة لتحويل موتهم إلى قضية عامة.
فالذاكرة التي لا تتسع لموت الجميع لا تصنع وطناً، وإنما تصنع جماعة منتصرة، ثم تقيم النصب التذكارية على حدودها.
«العين التي تبكي» — El Ojo que Llora — The Eye That Cries
ليكا موتال — Lika Mutal، ليما، 2005.
نصب تذكاري لضحايا النزاع المسلح الداخلي في بيرو بين عامي 1980 و2000. تحيط بالحجر المركزي آلاف الحجارة التي تحمل أسماء الضحايا وتواريخ وفاتهم، مرتبة من دون تصنيفهم بحسب انتمائهم السياسي أو موقعهم في الصراع.
الصورة: Lapalabranecesaria / Wikimedia Commons، CC BY-SA 4.0.



