Who Gains Power and Who Inherits Its Crimes?
Sweida, the Image of Syria, and the Social Cost of an Illusory Victory
Netanyahu’s claim that a phone call to Ahmed al-Sharaa stopped the Sweida massacre is easy to dismiss as election talk. Yet Israel is extending its Sufa 53 fortification line inside Syrian territory, and the story of Sweida, told alongside October 7, recasts Syria’s authorities as a permanent jihadist threat. That image gives Israel political cover with the states and publics that might otherwise see its intervention as aggression against a neighbouring state. Whatever trap preceded the crimes, the authority’s forces committed them. The deeper cost falls on those who celebrate this rule as a Sunni victory: they share neither its decisions nor its gains, yet may inherit its crimes. Trials of individuals will not change that image; communities that openly reject the crimes committed in their name can.
قد تبدو تصريحات بنيامين نتنياهو الأخيرة عن اتصاله بأحمد الشرع خلال أحداث السويداء، وتصريحات الشيخ موفق طريف عن طلبه التدخل الإسرائيلي لحماية الدروز، جزءاً من التعبئة الانتخابية في إسرائيل. لكن اختزالها في هذا السياق يحجب خطراً أكبر بكثير، يتعلق بالصورة التي تتشكل عن سوريا الجديدة، وما قد يترتب عليها من آثار سياسية وأمنية واجتماعية طويلة الأمد.
وما يجري على الأرض يقول ذلك. ففي الأسابيع نفسها عادت إسرائيل إلى العمل في «خط صوفا 53»، وهو خط خنادق وسواتر وطرق عسكرية تمده داخل الأراضي السورية بموازاة خط فض الاشتباك، من ريف القنيطرة إلى حوض اليرموك، وتواصلت توغلاتها في ريفي القنيطرة ودرعا. وفي التجمع الذي روى فيه قصة الاتصال، قال نتنياهو إن «هناك عملاً لم يُنجز بعد، ولا أستطيع أن أكشف كل شيء». فما جرى في السويداء صار مادة لمشروع يتجاوزها، ونتنياهو يستثمره انتخابياً، لكن ما يبنيه على الأرض أوسع من الانتخابات، والسردية التي يرسخها اليوم قد تصبح غداً الغطاء الذي يحتاجه للتمدد.
فاستدعاء هجمات السابع من أكتوبر في الحديث عن جرائم السويداء، من نتنياهو نفسه إلى مقالات الرأي الإسرائيلية وزعامة الدروز في إسرائيل، واستخدام مفردات متشابهة عن الإرهاب الجهادي وقتل المدنيين والاغتصاب والاستباحة، يضع الحدثين ضمن سردية واحدة عن الخطر الإرهابي. وفي هذه السردية تتجاوز السلطة السورية موقع الطرف الذي تتحمل قواته ومجموعات متحالفة معه مسؤولية انتهاكات جسيمة، لتصبح مصدراً محتملاً لتهديد دائم.
وما يمنح هذه السردية قوتها أن إسرائيل لم تصنع الجرائم التي وقعت في السويداء، وإن كانت تستثمرها سياسياً. وحتى لو صح أنها علمت بما تعدّه دمشق، ومنحتها غطاءً ثم سحبته، فوقعت السلطة في فخ كما وصفه الشيباني لاحقاً، فإن الفخ يفسر كيف دخلت القوات ولا يفسر ما فعلته بعد دخولها. فالانتهاكات التي ارتكبتها قوات السلطة ومجموعات متحالفة معها بحق المدنيين، وما رافقها من تعبئة دينية وعشائرية وخطاب تحريضي، قرارات اتخذها فاعلون سوريون. وهي التي وفرت المادة الواقعية لرسم صورة عن طبيعة السلطة السورية وعلاقتها بالمجتمعات التي تحكمها.
وتضيف رواية نتنياهو عن اتصاله بالشرع بعداً آخر. فهو يقول إنه اتصل به بعد ضرب وزارة الدفاع في دمشق، في محادثة «قصيرة جداً وحادة للغاية»، وإن المجزرة توقفت بعدها، فيما لم تؤكد دمشق حصول الاتصال أو تنفه، واكتفت برفض زجّ الدروز في الدعاية الانتخابية الإسرائيلية. وسواء صحت هذه الرواية أم لا، فإنها تقدّم المجزرة قراراً كان بيد السلطة أن توقفه، وتنزع عنها رواية الانفلات العشائري، فتربط المركز نفسه بالجريمة مباشرة.
لكن الأثر الأبعد يتجاوز تحديد المسؤوليات المباشرة. فحين تقدّم هذه السردية السلطة السورية امتداداً لخطر جهادي، تنتقل المشكلة من سلوك عسكري محدد يمكن تنظيمه باتفاق إلى طبيعة السلطة نفسها والشك في نواياها المستقبلية. ومتى انتقل الخطر من السلوك إلى الطبيعة، صار خط «صوفا 53» والتوغلات اليومية وحرية الضرب احتياطات دائمة، لا يشترط تبريرها وجود تهديد مباشر، ولا يُنهيها اتفاق.
والجمهور الإسرائيلي لا يحتاج إلى من يقنعه بها، فهو يتبناها أصلاً. أما المخاطَب الفعلي فهو الرأي العام في الدول والمجتمعات الأخرى، التي قد ترى في التدخل الإسرائيلي في الجنوب اعتداءً على سيادة دولة مجاورة. وفي هذه النقطة تكمن الكلفة الأثقل، لأن السردية تعيد تعريف الاعتداء حمايةً، فتخسر دمشق جمهوراً كان يمكن أن يقف مع سيادتها لو لم تمنحه جرائم السويداء سبباً للتردد.
ولا يمنح ذلك إسرائيل مشروعية قانونية لاحتلال الأراضي السورية أو استخدام القوة خارج أحكام القانون الدولي. لكنه يوفر لها في نظر هؤلاء مبررات سياسية وأخلاقية إضافية لسياسة تدخل قائمة من قبل، وقد يجعل إنهاءها أكثر صعوبة. وهكذا تجد دمشق نفسها أمام مفارقة: تقدم الضمانات الأمنية المطلوبة، لكنها لا تحصل في المقابل على إنهاء التدخلات أو استعادة سيادتها الكاملة، لأن المشكلة لم تعد فقط فيما تفعله، بل فيما تعتقد إسرائيل أنها قد تفعله مستقبلاً.
غير أن الخطر لا يتوقف عند العلاقات بين الدول. فالسردية الإسرائيلية لا تعمل في فراغ، وقد رفع أتباع الشيخ حكمت الهجري في السويداء الأعلام الإسرائيلية في ذكرى السابع من أكتوبر هذا العام، في مشهد يكشف أن الصورة التي يبنيها نتنياهو تلتقي بصورة يتم تبنيها عند جزء من المتضررين أنفسهم. والصورة التي تتشكل عن السلطة تنتقل تدريجياً إلى جمهورها الاجتماعي، ثم تتحول إلى أحكام أوسع على المجتمعات التي يراها الآخرون حاضنة لها أو مؤيدة. وحين يبرر بعض أبناء هذه المجتمعات قتل المدنيين، أو يحتفون بالمهاجمين، أو يتعاملون مع الضحايا باعتبارهم جماعة تستحق العقاب، يمتد الضرر من الجريمة نفسها إلى صورة المجتمع الذي تصدر عنه هذه المواقف.
ومع الوقت، يصبح من الصعب في وعي المجتمعات المتضررة التمييز بين من ارتكب الجريمة ومن بررها ومن صمت عنها، ثم بين هؤلاء وبين جماعات اجتماعية كاملة. وهذا تعميم ظالم، لكنه خطر حقيقي عندما تتحول الجرائم إلى ذاكرة جماعية، ولا تجد المجتمعات المتضررة في الطرف الآخر أصواتاً واضحة تعترف بمعاناتها وترفض استباحتها. وحين يرى بعض مؤيدي السلطة في معارضيها جماعات تستقوي بالخارج، بينما يرى بعض المتضررين من العنف في جمهور السلطة حاضنة اجتماعية لتهديد وجودي، يتحول الخلاف السياسي إلى شك متبادل في الهوية والنوايا وإمكانية التعايش. وهذه خسارة قد تستمر طويلاً بعد تغير الحكومات وتوقيع الاتفاقات.
وتشتد هذه الكلفة عند تلك القطاعات التي ترى في وصول سلطة ذات خلفية سنية إلى الحكم انتصاراً تاريخياً للسنة بعد عقود من حكم الأسد. فثمة فرق جوهري بين أن يكون الحاكم سنياً، وأن يكون المواطنون السنة قد أصبحوا فعلياً شركاء في الحكم ومستفيدين من موارده وسياساته.
ويقود ذلك إلى السؤال الذي تغطي عليه نشوة الانتصار: ماذا حصلت هذه المجتمعات فعلياً مقابل تأييدها؟ هل تحسنت أوضاعها الاقتصادية، وتوسعت حقوقها وفرصها، ونشأت مؤسسات تحمي مصالحها ومصالح بقية السوريين؟ أم أن الشعور الرمزي بالغلبة أصبح بديلاً عن مساءلة السلطة عن أدائها ومواردها وامتيازات المقربين منها؟
بالطبع، لا يمكن اختزال دوافع تأييد السلطة بالانتماء المذهبي؛ فهناك الخوف من عودة النظام السابق، والرغبة في الاستقرار، وغياب البدائل. لكن هذه الدوافع لا تبرر تحويل التأييد إلى ولاء غير مشروط، أو التعامل مع نقد السلطة باعتباره اعتداءً على الجماعة نفسها.
فإذا احتكرت نخبة ضيقة القرار والموارد والامتيازات، فإن اشتراك جمهورها معها في الهوية لا يجعله شريكاً في مكاسبها. وقد يجد نفسه في موقع أشد سوءاً: لا يملك القرار، ولا يجني المكاسب، لكنه يتحمل في نظر الآخرين المسؤولية السياسية والأخلاقية عن ممارسات السلطة التي يدافع عنها.
وقد تنتج هذه العلاقة دائرة مغلقة: كلما تعرض المجتمع للوصم بسبب ارتباطه بالسلطة، ازداد شعور بعض أفراده بالاستهداف، وكلما شعروا بالاستهداف ازداد تمسكهم بالسلطة التي تدعي حمايتهم، حتى لو كانت سياساتها نفسها تسهم في تعميق عزلتهم. وبذلك تحكم السلطة باسم جماعة اجتماعية من دون أن تحقق مصالحها، وتقنعها مع ذلك بأن بقاءها في الحكم انتصار تاريخي لها، ثم تترك لها هذا الإرث كله.
والمطلوب موقف أخلاقي واضح ومستقل من الجرائم المرتكبة بحق السوريين، مهما كانت خلفيتهم الاجتماعية والدينية، وأياً كانت هوية مرتكبيها، موقف لا يتولى الدفاع عن صورة السلطة ولا تبرئة المجتمعات التي تؤيدها. فلا يُطلب من أي جماعة أن تتحمل مسؤولية جرائم لم ترتكبها، لكن لا يجوز أيضاً أن تتحول هويتها إلى ذريعة لتبرير تلك الجرائم أو الصمت عن استباحة الآخرين.
وقد يعترض معترض بأن الوصم سيلحق بهذه المجتمعات مهما فعلت، لأن خصومها يصنعونه لحاجاتهم. وفي ذلك قدر من الصحة، لكن الفرق كبير بين صورة تفرضها الدعاية على مجتمع صامت، وصورة يكذّبها مجتمع رفع صوته بالاعتراف. الأولى تجد ما يغذيها، والثانية تجد ما يعطلها.
فمواجهة السردية التي يبنيها نتنياهو تسبق الرد عليه، ولا تكفي فيها المحاكمات التي تجريها السلطة. فهي تحاسب أفراداً على أفعالهم، ولا تصل إلى التعبئة التي سبقت الجريمة ولا إلى الاحتفاء الذي تلاها. والصورة الذهنية التي تتشكل عن المجتمعات تتغير حين تعترف المجتمعات نفسها بالجرائم المرتكبة باسمها، وترفضها بصوت مسموع، وتضع حدوداً أخلاقية لما يمكن أن يرتكبه أحد باسمها أو باسم الدولة. ذلك أن أخطر ما يمكن أن ترثه المجتمعات التي رأت في وصول سلطة ما انتصاراً لها، ليس فقط فساد تلك السلطة وفشلها، بل أن تصبح جرائمها جزءاً من الصورة التي يراها الآخرون بها، حتى بعد رحيلها.
* * *
El entierro de la sardina | The Burial of the Sardine | دفن السردينة
Francisco de Goya | فرانسيسكو دي غويا
c. 1812-1819
Oil on panel | زيت على خشب
Royal Academy of Fine Arts of San Fernando, Madrid | الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة سان فرناندو، مدريد
يرسم غويا الموكب الأخير قبل الصوم، ولا يرسم السردينة ولا المأتم. يرسم الرقص وحده: بعض الراقصين مأخوذ بفرحه مقتنع به، وبعضهم يرقص ليزيد الحشد هياجاً، وبينهم رجل في زي مصارع ثيران يرفع رمحاً نحو إحدى الراقصتين ولا يلتفت إليه أحد. وفوق الجميع راية سوداء عليها وجه قاتم يضحك، يرى ما لا يراه الراقصون. وما يقلق في اللوحة هو الهذيان الذي يستعمل الطقس، حين يصير الفرح بالانتصار رقصاً متواصلاً لا ينتبه إلى العنف الذي يتحرك بين الجموع، ولا إلى الموت المرتقب الذي ينظر إليها ضاحكاً من فوق.



