تضامني مع الناشطة السياسية والنسوية رولا الركبي في مواجهة حملات التخوين والتحريض التي أعقبت كلمتها عن سوريا أمام مجلس الأمن في السابع والعشرين من آب 2026 مفروغ منه. لكن هذا التضامن لا يعني بالضرورة الاتفاق مع كل ما قالته، ولا يمنحها حصانة من النقد. فمن حق أي سوري أن يسألها عما قالت وعما أغفلت، وأن يناقش توصيفها للمرحلة الانتقالية وأولوياتها. وبين ردود الفعل الكثيرة التي أثارتها كلمتها، استوقفني بصورة خاصة «بيان الفعاليات المدنية والأهلية في مدينة حماة»، ليس لأنه انتقدها، فهذا حق أصحابه، بل لأن المنطق الذي استخدمه في نقدها تجاوز رولا وكلمتها إلى مسألة أعمق تتصل بذاكرة حماة نفسها وبالمعيار الذي نحاكم به جرائم السلطة.
حاول البيان، قبل كل شيء، مواجهة الصفة التي قدمت بها الركبي نفسها: «ابنة مدينة حماة»، وكأن المطلوب سحب غطاء المدينة عنها والقول إن حماة التي تنتمي إليها لا تقبل الرواية التي قدمتها عنها وعن سوريا. وهذا في ذاته قابل للنقاش من الجهتين معاً؛ فالركبي لا تمثل حماة لمجرد أنها ابنتها، والموقعون على البيان لا يمثلونها لمجرد أنهم من فعالياتها. غير أن الأهم من السؤال عمن يملك صفة تمثيل حماة هو السبب الذي جعل هذه الصفة نفسها هدفاً. فحماة، في هذا السياق، ليست مدينة بين مدن، بل أحد أهم مستودعات ذاكرة المجزرة السورية، وهذه الذاكرة جزء أصيل من الرواية الوطنية عن الاستبداد التي تستمد منها المرحلة الجديدة جانباً من معناها. وحين يأتي نقد السلطة من داخل هذه الذاكرة يصبح دفعه إلى خانة التخوين أكثر صعوبة.
ولا يقف البيان عند منازعتها في الصفة، بل ينتقل إلى الدفاع عن السلطة الحالية باسم الدفاع عن سوريا. وهو محق حين يدافع عن وحدة سوريا وسيادتها، وحين يرفض الاحتلال والتقسيم والتدخلات الخارجية، لكن الدفاع عن سوريا ليس دفاعاً عن السلطة التي تحكمها. ونحن السوريين، أكثر من غيرنا، يفترض أن نعرف خطورة هذا الخلط، فالنظام السابق لم يقل يوماً إنه يدافع عن حافظ الأسد أو بشار الأسد، بل إنه يدافع عن الدولة والوطن، حتى صارت معارضة السلطة في خطابه اعتداء على الدولة، ونقد الدولة تهديداً للوطن. ولا معنى للقطيعة معه إذا احتفظنا بالمعادلة نفسها وغيّرنا اسم المستفيد منها.
أما مفصل البيان الحقيقي فيأتي عند تناوله أحداث الساحل. فبعد حديثه عن «المحاولة الانقلابية» في آذار وعن قتل عناصر من الجيش والأمن، ينتقد الركبي لأنها لم تذكر ذلك، ثم يقرر أن «هذا الغدر كان السبب الرئيسي لكل ما حدث بعده». وعند هذه العبارة تحديداً ينبغي أن تتوقف حماة، لا لأنها قيلت عن الساحل، بل لأنها تضع قاعدة سببية تتجاوز الواقعة التي قيلت بشأنها؛ فهي لو عُممت لأضعفت الأساس الأخلاقي نفسه الذي أدنّا به ما فعله النظام بحماة عام 1982. ولا أوازن هنا بين حدثين أو أدعي تطابقهما، فالفروق بين حماة والساحل كثيرة وواضحة، وإنما أختبر قاعدة واحدة على واقعتين مختلفتين؛ فالقاعدة الأخلاقية والقانونية لا تكتسب قيمتها من هوية الضحية أو الجاني، وإنما من قدرتنا على تطبيقها عندما تتبدل المواقع والهويات.
وهنا يلزمنا قدر من الصراحة مع سرديتنا الوطنية قبل أن نطالب غيرنا بالصراحة مع سردياتهم. فكثير من السرديات المختصرة عن حماة تبدأ بالمجزرة ولا تعطي وزناً كافياً للصراع المسلح الذي سبقها. والحقيقة أن صدام حماة مع السلطة البعثية بدأ منذ 1964، حين قصف الجيش جامع السلطان على المعتصمين فيه، ثم امتد عبر الطليعة المقاتلة وعملياتها المسلحة واغتيالاتها وقتلها عناصر ومسؤولين في الدولة، حتى كان شباط 1982 المشهد الختامي لصراع طويل، حين واجه النظام انتفاضة مسلحة داخل المدينة ودخلها تحت عنوان القضاء عليها. لم تكن حماة مدينة هادئة هاجمها الجيش بلا سياق سابق، والاعتراف بهذه الحقيقة لا ينتقص من جريمة ما وقع فيها، بل يجعل إدانتنا لها أكثر تماسكاً؛ لأن وجود التمرد جزء من تفسير السياق الذي وقعت فيه المجزرة، لكنه ليس تبريراً لها. وفي المسافة بين التفسير والتبرير تقع المسألة الأخلاقية كلها. فالسردية التي لا تحتمل الاعتراف بجرائم المسلحين تظل سردية هشة، أما السردية التي تحتمل هذا التعقيد وتبقي جريمة السلطة جريمة كاملة فهي وحدها التي تستطيع أن تتحول من ذاكرة محلية إلى مبدأ وطني.
ومن هنا يصبح الاختبار مباشراً: هل يقبل موقعو البيان أن يقال إن تمرد الطليعة المقاتلة وما ارتكبته من أعمال مسلحة كان «السبب الرئيسي لكل ما حدث بعده» في حماة؟ وهل تصبح المجزرة أقل جرماً لأن الدولة كانت تواجه تمرداً مسلحاً، أو يصبح المدني الحموي مسؤولاً عن فعل المسلح لأنه عاش في المدينة نفسها أو لأنه ربما تعاطف معه أو أيد انتفاضته؟ لا أظن أن أحداً منهم يقبل بذلك في حق مدينته، لكن المهم أن يكون رفضه قائماً على قاعدة عامة لا على الانتماء إلى حماة؛ فالتعاطف السياسي ليس اشتراكاً في القتال، والانتماء إلى البيئة الاجتماعية التي خرج منها المتمرد ليس جريمة، والمسؤولية الجنائية لا تورّثها المدينة لأبنائها.
وهذا بعينه ما ينبغي أن يقال اليوم عن الساحل. فقد يكون بين المدنيين العلويين من ناصر التحرك المسلح أو تعاطف معه، أو كره السلطة الجديدة، أو حتى تمنى فشلها، لكن ما لم يحمل السلاح أو يشارك في جريمة فإنه يبقى مدنياً ولا يتحمل مسؤولية أفعال غيره. تمرد مسلح لا يبيح مدينة، وتمرد مسلح لا يبيح طائفة؛ والقاعدة التي تحمي الحموي بالأمس هي نفسها التي تحمي العلوي اليوم، وإن لم تكن كذلك فهي ليست قاعدة بل امتياز. وهذا لا ينفي حق الدولة في مواجهة المسلحين، وإنما يضع الحد بين إنفاذ القانون والعقاب الجماعي.
والمقارنة التي أعقدها هنا بين معيارين لا بين واقعتين: إما أن تكون الدولة مسؤولة عن أفعالها حتى عندما تواجه تمرداً مسلحاً، وأن يبقى المدني محمياً من العقاب بسبب هوية المتمرد أو بيئته الاجتماعية، وعندئذ يكون موقفنا من حماة عام 1982 ومن الساحل اليوم متسقاً؛ وإما أن نقبل بأن جريمة المتمرد تصبح «السبب الرئيسي لكل ما حدث بعده»، وعندئذ نفتح الباب نفسه الذي استخدمه النظام طوال عقود لتفسير ما فعله بحماة. والقاعدة في الحالين ثابتة مهما كان حجم الخطر الذي واجهته الدولة، فما يتغير حكمه بتغير حجم الخطر ليس قاعدة.
ومن هنا تبدو المفارقة قاسية حين يأتي هذا المنطق تحديداً في بيان يحمل اسم حماة. فالبيان، وهو يحاول أن ينازع امرأة واحدة في الصفة التي تحدثت بها، انتهى من حيث لا يقصد إلى استخدام قاعدة تمس الأساس الذي تقوم عليه ذاكرة المدينة نفسها؛ فإذا أصبح التمرد المسلح «السبب الرئيسي لكل ما حدث بعده»، انتقل مركز تفسير الجريمة من فاعلها إلى الفعل الذي سبقها. وليس هذا ما أزعم أن موقعي البيان قصدوه؛ فالعبارة ثابتة في نصهم، أما النتيجة المترتبة على تعميمها فهي استنتاج أحمل مسؤوليته أنا. لكن هذا بالضبط هو الدرس الذي يعنيني: المناكدة السياسية، حين يصبح هدفها الانتصار في خصومة آنية، قد تدفع أصحابها إلى التضحية بمبادئ وحقوق أكبر بكثير من الخصومة نفسها.
والبيان نفسه يقول إن «حقوق الإنسان ليست انتقائية، والعدالة لا يمكن أن تكون انتقائية»، وهذا قول صحيح، لكنه يلزم قائله قبل أن يلزم خصمه. فقتل عناصر الجيش والأمن جريمة يجب تحديد مرتكبيها ومحاسبتهم، وقتل المدنيين جريمة يجب تحديد مرتكبيها ومحاسبتهم أيضاً؛ الأولى لا تبرر الثانية، والثانية لا تمحو الأولى. ومن حق موقعي البيان أن ينتقدوا الركبي لأنها أغفلت الأولى، إن كانت قد أغفلتها، لكن الرد على سردية ناقصة لا يكون ببناء سردية ناقصة معاكسة، ولا بتحويل الجريمة السابقة إلى «سبب رئيسي» للجريمة اللاحقة.
ولهذا فإن سؤالي لموقعي البيان ليس عن رولا الركبي، بل عن حماة نفسها: لو صدر عام 1982 بيان يقول إن تمرد الطليعة المقاتلة كان «السبب الرئيسي لكل ما حدث بعده» في حماة، فهل كانوا سيعدّونه تفسيراً للسياق أم تبريراً للمجزرة؟ الإجابة عن هذا السؤال هي نفسها التي ينبغي أن تحكم موقفنا اليوم.
فما تحتاجه سوريا الجديدة ليس حكماً أخلاقياً مختلفاً لكل واقعة، بل قاعدة اعتراف واحدة تطبق على الجميع، بالمعنى الذي يجعل من الأحكام المتفرقة نظاماً قانونياً لا مجموعة مواقف متناثرة: للدولة أن تواجه التمرد المسلح في حدود القانون، لكن ليس لها أن تعاقب المجتمع الذي خرج منه المتمردون، والمسؤولية عن الجريمة فردية لا تحملها مدينة ولا طائفة ولا بيئة اجتماعية. وهذه القاعدة ليست بنداً من بنود العدالة يمكن تأجيله، بل هي شرط قيامها، لأن غيابها لا يجعل العدالة انتقائية فحسب، بل ينزع عن النظام القانوني صفته بوصفه نظاماً. فإذا تغيرت القاعدة بتغير هوية الضحية أو الجاني، فنحن لا نؤسس عدالة، بل نوزع امتيازات الحماية وفق الهوية والموقف السياسي.
يقول البيان في خاتمته إن «سوريا الجديدة يجب ألا تكون نسخة جديدة من سوريا القديمة»، وهذه جملة أوقّع تحتها بلا تحفظ. لكن سوريا الجديدة لا تصبح جديدة بتغيير هوية من يمسك بالسلاح، ولا باسم السلطة التي تحتكره، وإنما تصبح جديدة حين نرفض أن تدفع مدينة ثمن متمرديها، وأن تدفع طائفة ثمن مسلحيها، وأن يدفع المدني ثمن جريمة لم يرتكبها. وهذا هو الدرس الذي تعلمناه، أو كان ينبغي أن نتعلمه، من حماة؛ ليس أن مجزرتها تمنح أبناءها امتيازاً خاصاً في الذاكرة، بل أن ما جعل ما حدث فيها جريمة يجب أن يكون قاعدة تحمي السوريين جميعاً عندما تتغير المدن والطوائف والسلطات.

Y no hai remedio | And There Is Nothing to Be Done | لا مفر
Francisco de Goya | فرانسيسكو غويا
Plate 15 from Los Desastres de la Guerra | Plate 15 from The Disasters of War | اللوحة 15 من سلسلة كوارث الحرب
Etching, drypoint, burin and burnisher | حفر بالإبرة والحفر الجاف والبورين وأداة الصقل
1810
The Metropolitan Museum of Art, New York | متحف المتروبوليتان للفنون، نيويورك


